وَبِنَاءً عَلَىٰ هَذَا فَإِنَّ لَفْظَةَ الْحِجَابِ فِي هَذَا النَّصِّ لَيْسَ هو الصُّورَةَ وَلَا يَعْنِيهَا لَا مِن قَرِيبٍ وَلَا مِن بَعِيدٍ فَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ قَضَىٰ وَقَدَّرَ بِحِكْمَتِهِ فِي اِخْتِبَارِهِ لِلْخَلْقِ أَن يَكُونَ فِي ظُهُورِهِ لَهُم غَايَةٌ فِي اللُّطْفِ حَتَّىٰ يَأْنَسُوا إِلَيْهِ، فَكَانَت حِكْمَتُهُ فِي ظُهُورِهِ لَهُم عَلَىٰ مِثَالِ مَا فَطَرَهُم عَلَيْهِ مِنَ الْعَجْزِ وَالْعَوَزِ وَالْحَاجَةِ وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ احْتِجَابُ الله عَزَّ وَجَلَّ بِإِظْهَارِهِ الْعَجْزَ وَاحْتِجَابُهُ فِي الثَّلَاثِ خَمَسَاتٍ الَّتِي ذَكَرَهَا شَيْخُ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ فِي رِسَالَتِهِ عِنْدَمَا قَالَ عَلَى لِسَانِ السَّائِلِ: «مَا الدَّلِيلُ عَلَى ظُهُورِهِ بِالنَّاسُوتِيَّةِ وَكَيْفَ ظَهَرَ بِهَا؟ وَبِمَا ظَهَرَ؟ وَبِمَا احْتَجَبَ؟
قُلْنَا لَهُ: احْتَجَبَ بِخَمْسٍ وَظَهَرَ بِخَمْسٍ وَأَظْهَرَ خَمْسًا.
فَالْخَمْسُ الَّتِي احْتَجَبَ بِهَا: الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْأَزْوَاجُ وَالْأَوْلَادُ وَالْإِخْوَةُ.
وَظَهَرَ بِخَمْسٍ: بِالنَّاسُوتِيَّةِ وَالْفَقْرِ وَالنَّوْمِ وَالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ.
وَأَظْهَرَ خَمْسًا: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْغَائِطُ وَالْبَوْلُ وَالْجَنَابَةُ.
وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَو لَهُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ خَمَسَاتٍ وَلَكِنَّهُ أَظْهَرَهَا إِينَاسًا لِخَلْقِهِ وَلطْفَاً لَهُمْ وَرِفْقًا بِهِمْ». انتهى.
فَهَذِهِ الثَّلَاثُ خَمَسَاتٍ هِيَ الْحِجَابُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْخَلْقِ وَالَّذِي هُوَ مَعَ الْخَلْقِ ثُمَّ لَا حِجَابَ، وَحَيْثُ أَنَّ هَذِهِ الْحُجُبَ مِنْ قَبْلِ الْخَلْقِ لَا مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ دَاعٍ إِلَى إِظْهَارِ هَذِهِ الْحُجُبِ قَبْلَ وُجُودِ الْخَلْقِ فَقَدْ تَبَيَّنَ بِقَوْلِ شَيْخِ الدِّينِ مَا ذَكَرْنَاهُ.




