وَإِنَّ قَوْلَ شَيْخِ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ هو الأَصْلُ وَالْقَاعِدَةُ وَكُلُّ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ الْعَالَمِ عَزَّ عِزُّهُ وَعُلَمَاءِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ تُؤَكِّدُ قَوْلَ شَيْخِ الدِّينِ وَهِيَ قَوَاعِدُ ثَابِتَةٌ لِنَبْنِيَ عَلَيْهَا طَرِيقَةَ تَفْكِيرِنَا وَتَكْوِينِ عَقِيدَتِنَا. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّافِيَةِ عَلَىٰ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الْأَنْزَعِيَّةَ هِيَ الْمَعْنَىٰ وَالذَّاتُ وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهَا بِحُجَّةِ التَّنْزِيهِ هُوَمَا أَوْرَدَهُ شَيْخُ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ فِي رِسَالَتِهِ قَوْلُهُ: «وَشَاءَ الْمَعْنَىٰ أَنْ يَظْهَرَ بِغَيْرِ الصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ وَهِيَ الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ، فَأَزَالَ الْحَسَنَ وَظَهَرَ بِمِثْلِ صُورَتِهِ». انتهى.
فَفِي هَٰذَا النَّصِّ دَلَالَةٌ مُحْكَمَةٌ عَلَىٰ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الْأَنْزَعِيَّةَ هِيَ الذَّاتُ الْعُظْمَىٰ وَالْغَايَةُ الْقُصْوَىٰ وَإِلَيْهَا تَأَلُّهُ الْخَلَائِقِ، وَالدَّلَالَةُ هُنَا آتِيَةٌ مِنْ مَقَامَاتِ التَّشْرِيفِ فِي السَّطْرِ الْمُعَظَّمِ، وَإِلَىٰ هَٰذِهِ الْحَقِيقَةِ كَانَتِ الْإِشَارَةُ مِنْ مَقَامِ مَوْلَانَا الْحَسَنِ عَزَّ عِزُّهُ عِنْدَمَا خَاطَبَهُ رَجُلٌ وَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، «فَنَهَرَهُ مَوْلَانَا الْحَسَنُ بِقَوْلِهِ: صَهْ يَا رَجُلُ، مَا نُسَمِّي بِهَا أَحَداً مِنْ قَبْلُ وَلَا مِنْ بَعْدُ غَيْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَّا كَانَ مَأْفُوناً فِي عَقْلِهِ مَأْبُوناً فِي كَعْبِهِ».
وَكَانَ قَوْلُ مَوْلَانَا الْحَسَنِ عَزَّ عِزُّهُ هَٰذَا وَهُوَ مَعْنًى «مِثْلِيّاً»، أَيْ كَانَ الْمَعْنَىٰ ظَاهِراً لِلمِثْلِ صُورَةَ الْحَسَنِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ بِمُخَاطَبَتِهِ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهو المَعْنَىٰ فَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَدَبَّرَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِمَنْعِ مُخَاطَبَتِهِ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً كَمَا ذَكَرْنَا،




