وَمِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَىٰ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ صَفَائِهِمْ مِنْ عَالَمِ الْمِزَاجِ التُّرَابِيِّ إِلَىٰ عَالَمِ الْجَنَّةِ النُّورَانِيِّ يَكُونُونَ بِهَٰذِهِ الصُّورَةِ الْإنْسانِيَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا الله عَلَىٰ مِثَالِ صُورَتِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾(1).
إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي أَوْرَثَهَا الله الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ هِيَ الصُّورَةُ الْآدَمِيَّةُ وَلَكِنْ عَلَىٰ نَحْوٍ أَلْطَفَ وَأَشْرَفَ لِجِهَتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْبَشَرِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِجِسْمٍ دَمَوِيٍّ كَثِيفٍ وَعُرْضَةً لِطَوَارِئِ الْأَحْدَاثِ.
وَجَاءَ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرِ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ فِي كِتَابِ الصِّرَاطِ فِي هَٰذَا السِّيَاقِ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾(2) قَالَ عَزَّ عِزُّهُ: «وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ، أَرَادَ بِتَبْدِيلِ الْأَرْضِ غَيْرَ الْأَرْضِ عَالَمَ الْمِزَاجِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْأَرْضِ سَاكِنُونَ، فَإِذَا تَخَلَّصُوا مِنَ الْمِزَاجِ الَّذِي هُمْ فِيهِ، وَصَفُوا وَرُفِعُوا إِلَى الْعُلُوِّ وَزَالَتْ عَنْهُمْ رُتْبَةُ الْمِزَاجِ فَيَحِلُّونَ فِي غَيْرِ الْمَحِلِّ السُّفْلِيِّ، فِي الْعَالَمِ الْعَلَوِيِّ النُّورَانِيِّ، وَيَعُودُونَ إِلَىٰ جَوْهَرِهِمُ الَّذِي بِدْؤُهُم مِنْهُ لِأَنَّ جَوْهَرَ الشَّيْءِ هُوَ أَصْلُ الشَّيْءِ». انتهى.




