وَمِمَّا يُثْبِتُ أَنَّ عَالَمَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ عَالَمَ النُّورِ أَوِ الْعَالَمَ الْعَلَوِيَّ أَوْصَافٌ وَأَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ وَهُمْ عَالَمٌ وَاحِدٌ، أَنَّهُمْ صُوَرٌ هُوَمَا قَالَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ حَيْثُ سُئِلَ عَنِ الْعَالَمِ الْعَلَوِيِّ فَقَالَ:
صُوَرٌ عَارِيَةٌ عَنِ الْمَوَادِّ خَالِيَةٌ مِنَ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، تَجَلَّى الله لَهَا فَأَشْرَقَتْ وَطَالَعَهَا بِنُورِهِ فَتَلَأْلَأَتْ، فَأَلْقَى فِي هُوِيَّتِهَا مِثَالَهُ، وَأَظْهَرَ عَنْهَا أَفْعَالَهُ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ ذَا نَفْسٍ نَاطِقَةٍ، إِنْ زَكَّاهَا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَقَدْ شَابَهَتْ جَوَاهِرَ أَوَائِلِ عِلَلِهَا، وَإِذَا اعْتَدَلَ مِزَاجُهَا وَفَارَقَتِ الْأَضْدَادَ فَقَدْ شَارَكَ بِهَا السَّبْعَ الشِّدَادَ.
فَقَوْلُهُ عَزَّ عِزُّهُ: أَلْقَى فِي هُوِيَّتِهَا مِثَالَهُ، أَيْ خَلَقَ هَيْئَتَهَا وَصُورَتَهَا عَلَىٰ مِثَالِ صُورَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَعَبَّرَ عَنْهَا وَسَمَّاهَا فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ: «صُوَرٌ». وَعَلَىٰ صُوَرِ الْمَلَائِكَةِ خَلَقَ الله صُورَةَ الْإِنْسَانِ وَنَصِلُ إِلَىٰ نَتِيجَةٍ مَفَادُهَا: أَنَّ مَخْلُوقَاتِ الله سُبْحَانَهُ الْعَاقِلَةَ مِنْهَا هِيَ عَلَىٰ مِثَالِ صُورَتِهِ كَمَا تَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ بَعْدِ الشَّرْحِ وَالتَّوْضِيحِ وَأَنَّ (الْهَاءَ) فِي لَفْظَةِ (صُورَتِهِ) رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ نَصُّ الْحَدِيثِ :«إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَىٰ مِثَالِ صُورَتِهِ».
وَجَاءَ فِي شَرْحِ بَعْضِهِمْ أَنَّ سَبَبَ هَٰذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ الله عَزَّ عِزُّهُ وَجَدَ رَجُلَانِ يَتَسَابَّانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَعَنَكَ الله وَلَعَنَ مَنْ هُوَ عَلَىٰ مِثَالِ صُورَتِكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله عَزَّ عِزُّهُ: «مَهْ، إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَىٰ مِثَالِ صُورَتِهِ».




