مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قِصَّةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا - غَسَّانُ عَجُوز

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 43 من 320

وَهَذَا فِي مَعْنَىٰ مَا قَالَهُ شَيْخُ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ فِي رِسَالَتِهِ: «وَيَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ وَيَفْزَعُ مِنَ الدُّخُولِ فِيمَا يَلْزَمُهُ الْعُقُوبَةُ». انتهى.

وَهَذَا فِي الْمُؤْمِنِ بِمَا يُنَاسِبُ إِيمَانَهُ، وَالْكَافِرِ بِمَا يُنَاسِبُ كُفْرَهُ.

وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: أَنَّهُ يُوجَدُ بَعْضُ النَّاسِ يَتَذَكَّرُونَ حَيَوَاتِهِمُ السَّابِقَةَ، فَأَيْنَ ذَلِكَ مِمَّا قُلْتُمْ مِنْ اخْتِلَالِ مِيزَانِ الْإِعَادَةِ مِنْ جَدِيدٍ لِلنَّفْسِ؟ الْجَوَابُ: إِنَّ الْخُصُوصِيَّةَ فِي تَذَكُّرِ بَعْضِ النَّاسِ لِحَيَوَاتِهِمُ السَّابِقَةِ لَا تُلْغِي الْقَاعِدَةَ الْعَامَّةَ فِي عَدَمِ التَّذَكُّرِ وَالنِّسْيَانِ، وَعَلَىٰ هَذَا فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ جَعَلَ بَعْضَ النَّاسِ وَمِنْ كُلِّ الْأَعْرَاقِ وَالْأَدْيَانِ يَتَذَكَّرُونَ مَاضِي حَيَوَاتِهِمُ السَّابِقَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْفَظُ لُغَتَهُ السَّابِقَةَ وَهِيَ غَيْرُ لُغَتِهِ الْجَدِيدَةِ، وَيَحْفَظُ أَسْرَاراً قَدْ لَا يَعْرِفُهَا غَيْرُهُ، وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا دَفْعاً لِلظَّنِّ وَلِإنْكَارِ الْمُنْكِرِينَ لِهَذَا الْأَمْرِ وَكَذَلِكَ مِنْ بَابِ تَنْبِيهِ النَّاسِ إِلَىٰ فَضْلِ الله تَعَالَىٰ وَعَدْلِهِ فِيهِمْ، وَتَثْبِيتاً لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَتَبْكِيتاً لِلْكَافِرِينَ وَنَسْفاً لِاعْتِقَادَاتِ الْمُنْكِرِينَ الْفَاسِدَةِ، وَفِي ذَلِكَ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الله عَلَىٰ خَلْقٍ ظَاهِرَةٍ بِمَا هُوَ وَاقِعٌ فِيهِمْ وَبَيْنَهُمْ.

وَأَخِيراً فِي خِتَامِ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ مَبْحَثِنَا نَذْكُرُ فِيهِ مَا يَخْطُرُ فِي أَذْهَانِ النَّاسِ مِنْ تَسَاؤُلَاتٍ مِنْهَا: لِمَاذَا خَلَقَنَا الله فِي هَذَا الْمَكَانِ؟ وَلِمَاذَا الْآنَ؟ وَفِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَلَايِينِ السِّنِينَ؟ وَمِنْ مِثْلِ تِلْكَ التَّسَاؤُلَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ الْكَثِيرَةِ، الْجَوَابُ: لَوْ أَنَّ الله سُبْحَانَهُ خَلَقَنَا فِي أَيِّ زَمَانٍ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ، وَعَلَىٰ أَيِّ حَالٍ كُنَّا فِيهِ لَبَرَزَتْ تِلْكَ التَّسَاؤُلَاتُ، وَفِي هَذَا جَدَلٌ دَائِمٌ وَنَأْتِي بِجَوَابٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ بِقَوْلِهِ: لَوْ أَطْلَعْتُمْ عَلَىٰ الْغَيْبِ لَاخْتَرْتُمُ الْوَاقِعَ.

الصفحة 43 من 320