وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ لِرَسُولِ الله عَزَّ عِزُّهُ بِالْفِطْرَةِ بِأَنَّ الْمَوْلُودَ مَفْطُورٌ عَلَىٰ مَعْرِفَةِ الله وَتَوْحِيدِهِ هُوَ فِي مَعْنَىٰ مَا قَالَهُ شَيْخُ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ مِنْ تَذَكُّرِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ جَنِينٌ فِي حُجُبَاتِهِ وَكَذَلِكَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ إِلَىٰ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْراً، وَهَذَا فِي الْجَمِيعِ لِلْبِرِّ وَالْفَاجِرِ عَلَىٰ حَدٍّ سَوَاءٍ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَىٰ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾(1).
فَالنَّشْأَةُ الْأُولَىٰ هِيَ: ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الذَّرْوِ الْأَوَّلِ، وَالْعِلْمُ بِهَا هُوَ تَذَكُّرُ الْإِنْسَانِ لَهَا كَمَا أَسْلَفْنَا لِأَعْمَالِهِ مِنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَهُ الله إِلَىٰ وَقْتِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ لَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ الله وَمَا أَخْبَرُوا بِهِ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَىٰ كَائِنٌ مِنْ وُجُودِ مِثَالِهِ هُنَا فِي الْأَرْضِ مِنْ وُقُوعِ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ إِلَىٰ خُرُوجِهِ طِفْلًا كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ سَابِقاً عَنْ مَوَالِينَا الْكِرَامِ.
وَالْمُلَاحِظٍ مِنْ وَاقِعِ الْحَالِ: أَنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّمَا أَعَادَهَا الله وَخَلَقَهَا مِنْ جَدِيدٍ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُهَا مِنْ جَدِيدٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لِأَنَّ إِعَادَتَهَا هِيَ عَلَىٰ مَنْوَالِ وَمِثَالِ مَا خَلَقَهَا الله عَلَيْهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الْأَظِلَّةِ، وَالله تَعَالَىٰ يَقُولُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾(2).




