يَتَبَيَّنُ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْفِطْرَةَ فِي الْمَخْلُوقِ هِيَ: مَجْمُوعُ عَنَاصِرِ التَّعْرِيفِ بِالله فِي النِّدَاءِ الْأَوَّلِ لِلْأَرْوَاحِ عِنْدَمَا أَنْشَأَهَا فِي الرَّحِمِ الْمَخْصُوصِ بِهَا وَذَرَّأَهَا فِيهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، فَكُلُّ مَا أَجْرَاهُ الله عَلَيْهِمْ مِنْ تَمْكِينِهِمْ مَعْرِفَتَهُ وَمُعَايَنَتَهُ فِي ظُهُورِهِ لَهُمْ، مِنْ دُونَ وَاسِطَةٍ وَالْإِقْرَارِ لَهُ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وَقَوْلِهِمْ: بَلَىٰ، كُلُّ ذَلِكَ صَارَ مَغْرُوزاً فِي جِبِلَّةِ الْأَرْوَاحِ، وَعَلَىٰ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الْمِيثَاقُ وَالْمِثَالُ عَلَىٰ ذَلِكَ هُنَا فِي الْأَرْضِ وَالتَّعْرِيفُ بِهِ هُوَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ فِي الرَّحِمِ عَلَىٰ سَبْعَةِ مَرَاحِلَ كَمَا سَمَّاهَا شَيْخُ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ: «سَبْعُ تَرْكِيبَاتٍ»، أَيْ يَتِمُّ خَلْقُ الله لِهَذَا الْهَيْكَلَ الْإِنْسَانِيَّ فِي الرَّحِمِ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ إِلَىٰ أَنْ يَتَكَامَلَ بِإِرَادَةِ الله وَفِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ الْجَنِينِيَّةِ تَكُونُ الرُّوحُ ضَعِيفَةً إِلَىٰ أَنْ يُنْشِئُهُ الله خَلْقاً آخَرَ وَهو الخُرُوجُ مِنَ الرَّحِمِ بِوِلَادَةٍ جَدِيدَةٍ تَامَّةِ الْهَيْكَلِ صُورَةً إِنْسَانِيَّةً بَدِيعَةً عَلَىٰ مِثَالِ خَالِقِهَا وَهِيَ الْبَاقِيَةُ، وَعَلَيْهَا يَقَعُ الْعَتَبُ وَالتَّحْذِيرُ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَبَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ الله لَهَا الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ، تُعْطَىٰ لَهَا الْمَشِيئَةُ فِي الْاخْتِيَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾(1).
وَهُنَا قَدْ يَسْأَلُ مَنْ يَرَىٰ ثَمَّةَ تَبَايُنٍ فِيمَا جَاءَ فِي كِتَابِ الله وَمَا جَاءَ عَنِ السَّيِّدِ الرَّسُولِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْفِطْرَةِ بِأَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَيْثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنَّهُ مَوْلُودٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ وَالتَّوْحِيدِ لِلهِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَالله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(2).




