وَبَعْدَ أَنْ هَبَطَتِ الأَرْوَاحُ وَلَبِسَتِ الأَجْسَامَ المَادِّيَّةَ فَحُجِبَتْ بِهَا لِكَثَافَتِهَا بِسَبَبِ العِصْيَانِ وَالذَّنْبِ المُوجِبِ لِذَلِكَ عَنْ رُؤْيَتِهَا الأُولَى فِي عَالَمِ الرُّوحِ وَانْقَلَبَتْ رُؤْيَتُهُمْ إِلَى مَا يُوَافِقُ الطَّبْعَ الكَثِيفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾(1).
وَأَوَّلُ مَرَّةٍ كَانَتْ فِي عَالَمِ الظِّلَالِ عِنْدَمَا قَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ. وَهَذَا مَا قَالَهُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ فِي الصِّرَاطِ وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي رِسَالَةِ الفَتْقِ وَالرَّتْقِ لِلجَلِيِّ قَدَّسَهُ اللهُ فِي آخِرِهَا فَرَاجِعْ.
وَفِي رُؤْيَةِ عَالَمِ البَشَرِ أَهْلِ الكَثَافَةِ لِأَهْلِ السَّمَاءِ وَانْقِلَابِهَا يَقُولُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهوَ حَسِيرٌ﴾(2).
هَذَا وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا بَيَانُ انْقِلَابِ البَصَرِ فِي مَبْحَثِ الصُّورَةِ، وَلَكِنَّنَا نَذْكُرُهُ هُنَا فِي خِتَامِ هَذَا الكِتَابِ تَذْكِيرًا بِأَنَّ المَرْئِيَّ بِطُورِ سِين هوَ ذَاتُ المَعْنَى القَدِيمِ بِصُورَتِهِ الأَنْزَعِيَّةِ، وَإِنَّ رُؤْيَتَنَا لَهُ هَكَذَا اليَوْمَ عَلَى نَحْوِ مَا نَرَاهُ هوَ عَلَى مَا قُدِّرَ لَنَا فِي مُشَاهَدَتِهِ بِسَبَبِ الحُجُبِ المَانِعَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ كَمَا قُلْنَا بِسَبَبِ المِزَاجِ الكَثِيفِ الحَاسِرِ لِلبَصَرِ حَسَبَ الِاسْتِحْقَاقِ،




