الْفَصْلُ الثَّانِي:
ظُهُورُ الْبَارِي لِلْأَرْوَاحِ وَنِدَاؤهُ تَعَالَىٰ
إِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ غَايَةُ الله تَعَالَىٰ مِنْ خَلْقِهِ الْخَلْقُ أَنْ يَعْرِفُوهُ وَيُقِرُّوا لَهُ بِالْأُلُوهِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ لَا تَصِحُّ وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ تَعَالَىٰ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ لَهُمْ وَتَعْرِيفِهِمْ ذَاتَهُ بِذَاتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ غَايَةَ خَلْقِهِ الْخَلْقِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(1).
وَلَقَدِ اتَّفَقَتْ كُلُّ الطَّوَائِفِ وَالْمَذَاهِبِ عَلَىٰ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أَيْ لِيَعْرِفُوني.
وَقَدْ أَضَافَ عَلَيْهِمْ شَيْخُ الدِّينِ مَفْهُوماً مُتَمِّماً لِصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ حَيْثُ قَالَ فِي رِسَالَتِهِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ: «وَقَالَ لِيَقِرُّوا وَلَمْ يَقُلْ لِيُنْكِرُوا»، وَقَدْ بَيَّنَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ الله الْخَصِيبِيُّ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ صِحَّةَ الظُّهُورِ وَالتَّجَلِّي فِي رِسَالَتِهِ فِي جَوَابِهِ عَنْ سُؤَالِ: «وَهَلْ تَجَلَّىٰ لِخَلْقِهِ بِنُورَانِيَّةِ اللَّاهُوتِ فِي عَهْدِ مَا وَكَوْرِ مَا وَوَقْتٍ مَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَيْنَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الله؟ قُلْنَا لَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾(2) فَكَانَ هو المُتَجَلِّي لَهُمْ وَالْمُنْتَقِمَ بِلَا وَاسِطَةٍ». انتهى.




