وَلَمَّا بَلَغَ وَقْتُ التَّمْيِيزِ أَجَلُهُ بَيْنَ الخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ وَالله سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ السَّرَائِرَ، وَمَا كَانَ لِيَذَرَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَمَعْنَاهُ الطَّاعَةُ وَالتَّسْلِيمُ لِلهِ بِقَبُولِ أَمْرِهِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَمِنْ دُونِ اعْتِرَاضٍ وَهَذَا حَقُّ الله عَلَى جَمِيعِ الخَلْقِ، فَقَبِلَ آدَمُ وَالزَّوْجُ الأَمْرَ مَعَ مَا يَحْمِلُ كُلُّ مِنْهُمَا فِي بَاطِنِهِ مِنْ فُتُورٍ وَنِفَاقٍ وَمَا قَبِلَ بِهِ فَرِيقَا آدَمَ وَالزَّوْجِ فَقَدْ رَفَضَهُ إِبْلِيسُ وَامْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ مُسْتَكْبِرًا عَلَى خِلْقَةِ الطِّينِ بِظَنِّهِ فَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
فَجَاءَ إِبْلِيسُ إِلَى آدَمَ وَزَوْجِهِ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ أَيْ مِنْ جِهَةِ مَا عَرَّفَهُمُ الله بِهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَوُجُودِهِمْ فِي الهَيَاكِلِ الدَّمَوِيَّةِ الكَثِيفَةِ مِنْ بَلَاءٍ وَفَنَاءٍ لِلْأَجْسَامِ وَذَهَابِ مَلَذَّاتِهِمْ، وَهَذَا عَلَى خِلَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي عَالَمِ الرُّوحِ وَهو الجَنَّةُ وَدَارُ الخَالِدِينَ مِنْ أَهْلِ النُّورِ وَكُلُّ مَا فِيهَا بَاقٍ لَا يَبْلَى وَلَا يَزُولُ بَلْ هُمْ فِيْهِ مِنَ الله دَائِمًا فِي مَزِيدٍ، وَهُمُ الَّذِينَ حَسَدَهُمْ إِبْلِيسُ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ عَالٍ عَنِ الطِّينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العَالِينَ﴾(1)، فَالشَّيْطَانُ خَدَعَ آدَمَ وَزَوْجَهُ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ وَأَقْسَمَ لَهُمَا أَنَّهُ مِنَ النَّاصِحِينَ وَزَيَّنَ لَهُمَا اعْتِرَاضَهُمُ الأَوَّلَ وَأَنَّ الله لَمْ يَفْعَلْ لَهُمَا شَيْئًا، فَاسْتَغَلَّ الشَّيْطَانُ مَا وَارَاهُ الله مِنْ سَوْءَةِ اعْتِرَاضِهِمْ وَأَدْخَلَ خِنْسًا فِي نُفُوسِهِمُ الغُرُورَ بِتَصْدِيقِهِ فِي حَثِّهِمْ عَلَى البَقَاءِ فِي مَكَانِ وُجُودِهِمْ وَكَانَ لَعْنَهُ الله يَقِيسُ ما بَيْنَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ رَغَدِ العَيْشِ فِي الجَنَّةِ وَمَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ فِي الأَرْضِ.




