مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قِصَّةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا - غَسَّانُ عَجُوز

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 303 من 320

أَمَّا قَوْلُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ الله: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. فَغَوَايَتُهُ كَانَتْ أَوَّلًا مِنَ الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ الأَنْزَعِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ وَظَنُّهُ فِيهَا وَاعْتِقَادُهُ بِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الخَلْقِ، وَهَذَا أَرْدَاهُ وَأَخْرَجَهُ إِلَى مَا هوَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَنْ سُوءِ صُورَتِهِ، وَقَدْ قَالَ المَوْلَى الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّمَا دُهِيَ إِبْلِيسُ مِنَ الصُّورَةِ. انتهى.

وَهَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ البَارِي سُبْحَانَهُ ظَهَرَ لِذَاتِهِ لِلنَّاسِ مُحْتَجِبًا بِالثَّلَاثِ خَمْسَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا شَيْخُ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ فِي رِسَالَتِهِ، وَهَذِهِ الإِظْهَارَاتُ هِيَ عَلَى قَانُونِ مَا هوَ لَازِمٌ لِلْخَلْقِ وَفِيهِمْ لَا فِيهِ تَعَالَى، وَهَذَا يَدْخُلُ فِي بَابِ العَجْزِ أَوِ المُتَشَابِهِ، غَيْرَ أَنَّ البَارِي سُبْحَانَهُ كَانَ يُظْهِرُ المُعْجِزَ بَعْدَ إِظْهَارِ العَجْزِ أَوْ عَكْسِهِ كَمَا ذَكَرَ الشَّابُّ الثِّقَةُ قَدَّسَهُ اللهُ فِي رِسَالَتِهِ المُرْشِدَةِ، وَكَانَ إِظْهَارُهُ المُعْجِزِ عَلَامَةً لِلتَّعْرِيفِ بِهِ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ مَعْرِفَتُهُ عَلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِهِ العَجْزِ، وَهُنَا عَلَى الخَلْقِ أَنْ يَتَدَبَّرُوا وَيَعْقِلُوا عَنْهُ تَعَالَى وَيُذْعِنُوا إِلَى أَنَّ المُظْهِرَ لِهَذِهِ القُدْرَةِ العَظِيمَةِ هو الله الخَالِقُ البَارِئُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ كَالمَخْلُوقِ وَلَا يَعِيبُهُ فِعْلُ شَيْءٍ إِذَا أَرَادَهُ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ حِكْمَتَهُ عَظِيمَةٌ وَأَنَّ الحَكِيمَ فِعْلُهُ حِكْمَةٌ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهَا الخَلْقُ، فَإِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ دَعَوُا النَّاسَ إِلَى اتِّبَاعِ المُتَشَابِهِ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ وَيَنْسِبُونَ إِلَى الله مَا هوَ فِيهِمْ وَيَقُولُونَ فِيهِ مَا لَيْسَ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَهَذِهِ الجِهَةُ فِي إِضْلَالِ إِبْلِيسَ لِلنَّاسِ تُسَمَّى عَنْ شَمَائِلِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(1).

الهوامش

1سورة ال عمران _ الآية (7)
الصفحة 303 من 320