فَالوِاضِحُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ امْتِنَاعَ إِبْلِيسَ عَنْ قَبُولِ الأَمْرِ بِالسُّجُودِ هوَ لِآدَمَ الَّذِي ظَنَّهُ أَنَّهُ صُورَةٌ مُرَكَّبَةٌ بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالطِّينِ وَاسْتَكْبَرَ عَلَى هَذَا الهَيْكَلِ الإِنْسَانِيِّ لِأَنَّهُ ظَنَّهُ كَثِيفٌ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ النَّارِيِّ أَيِ النُّورَانِيِّ الَّذِي كَانَ فِيهِ قَبْلَ إِنْظَارِهِ، وَلِجَهْلِهِ بِأَصْلِ مَا خَلَقَ الله عَلَيْهِ الهَيْكَلَ الإِنْسَانِيَّ لِعَالَمِ البَشَرِ الكَثِيفِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الأَسْرَارِ الإِلَهِيَّةِ.
وَبِهَذَا الشَّأْنِ قَالَ أَمِيرُ النَّحْلِعَزَّ عِزُّهُ كَمَا فِي نَهْجِ البَلَاغَةِ: «وَلَوْ أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ وَيَبْهَرُ العُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الأَعْنَاقُ خَاضِعَةً وَلَخَفَّتِ البَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلَائِكَةِ، وَلَكِنَّ الله سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ تَمْيِيزًا بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ وَنَفْيًا لِلِاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ وَإِبْعَادًا لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ».
إِنَّ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ الَّذِينَ امْتَنَعُوا عَنِ السُّجُودِ وَرَفَضُوا أَمْرَ الله سُبْحَانَهُ تَمَيَّزُوا شِمَالًا وَظَهَرَتْ عَلَى صُوَرِهِمْ عَلَامَاتُ الإِنْكَارِ فَكُنَّ هُنَّ فَرِيقَ إِبْلِيسَ وَبَدَتْ مِنْهُنَّ العَدَاوَةُ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَظْهَرُوا السُّجُودَ مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ هُمَا فَرِيقَانِ أَشَارَتْ إِلَيْهِمَا الآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾(1).




