فَالأَبْدَانُ الطِّينِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً دَمَوِيَّةً فَصُورَتُهَا هِيَ صُورَةُ الرُّوحِ القَائِمَةِ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(1).
فَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، أَيْ مِنْ صُوَرِكُمْ، فَالنَّفْسُ هِيَ الصُّورَةُ، وَقَوْلُهُ: أَزْوَاجًا فَالزَّوْجُ هو المَثِيلُ وَالشَّكْلُ وَالقَرِينُ، أَيْ أَبْدَانًا عَلَى مِثَالِكُمْ فِي الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ وَهوَ قَرِينٌ لَهَا مُلَازِمٌ وَهو الاقْتِرَانُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فَالمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ هِيَ عَلَاقَةُ التَّدْبِيرِ المُتَبَادَلِ بَيْنَ اللَّطِيفِ وَالكَثِيفِ أَيِ الرُّوحِ وَالجَسَدِ وَالِائْتِلَافِ بَيْنَهُمَا وَهَذَا آتٍ مِنْ مُمَاثَلَةِ صُورَةِ البَدَنِ لِصُورَةِ الرُّوحِ فَهُمَا التَّوْأَمُ فِي الصُّورَةِ فَاجْتِمَاعُهُمَا مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَةِ الله وَحِكْمَتِهِ العَظِيمَةِ فَكِلَاهُمَا يَشْكُلَانِ وَحْدَةً قَائِمَةً كَأَنَّهُمَا وَاحِدٌ، وَمِنْ هُنَا كَانَ البَدَنُ يُسَمَّى نَفْسًا لِأَنَّ صُورَتَهُ كَصُورَةِ الرُّوحِ فَهوَ نَفْسُهَا لِأَنَّهُ هو المُعَبِّرُ عَنْهَا وَكُلُّ مَا يَبْدُو مِنْهُ مِنْ صِفَاتٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ أَفْعَالٍ هوَ لِلرُّوحِ الفَاعِلَةِ المُدَبِّرَةِ لَهُ، وَمِنَ العَجَائِبِ كَمَا قَالَ الفَلَاسِفَةُ عَنْهُمَا: أَنَّ مَا يَنْفَعُ الرُّوحَ يَضُرُّ البَدَنَ وَمَا يَنْفَعُ البَدَنَ يَضُرُّ الرُّوحَ وَاجْتِمَاعُهُمَا مِنَ العَجَبِ.




