ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾(1).
فَالنَّفْخُ هوَ جَعْلُ الرُّوحِ فِي هَذَا الجَسَدِ وَمَا أَعْطَاهَا مِنَ القُوَّةِ وَالحَرَكَةِ وَالحَيَاةِ لِسُكْنَى هَذَا الجَسَدِ وَتَدْبِيرِ شُؤُونِهَا الدِّينِيَّةِ وَالحَيَاتِيَّةِ وَتَعْرِيفِ مَنِ الله لِهَذِهِ الأَرْوَاحِ بِهَذَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ رُوحِي﴾: أَيْ جَعَلَ لِتِلْكَ الأَبْدَانِ مِنَ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ وَمِنْ لَطَائِفِ القُوَى البَاطِنَةِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ لِلرُّوحِ مِنَ الإِرَادَةِ لِلْفِعْلِ وَالفَهْمِ وَالحِفْظِ وَالعِلْمِ مَا يَيَسَّرُ لَهَا الإِيمَانَ بِالله وَالتَّوْبَةَ إِلَيْهِ وَالإِقْرَارَ لَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ حَيْثُ الإِيمَانُ الَّذِي أَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ مِنَ الله تَعَالَى فَأَعْطَاهُمُ القُوَّةَ المُعَبَّرَ عَنْهَا بِالرُّوحِ لِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الله ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(2).
وَكَذَلِكَ يَأْتِي مَعْنَى الرُّوحِ هُنَا بِمَعْنَى الإِيمَانِ لِقَوْلِ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ بِشَرْحِهَا: ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ قَالَ: هو الإِيمَانُ.




