فَهَذَا النَّصُّ يُؤَكِّدُ عَلَىٰ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا وَلَمْ تَنْتَقِضْ بِفِعْلِ قَابِيلَ لَعَنَهُ الله وَجَلَّ مَوْلَانَا عَنِ الْقَتْلِ، وَلِلهِ الْحِكْمَةُ فِيمَا يَفْعَلُ جَلَّ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.
وَأَخِيراً نَعُودُ إِلَىٰ مَبْحَثِ مُبْتَدَأِ الْخَلْقِ فِي الذَّرْوِ الْأَوَّلِ فَنَقُولُ:
قَالَ شَيْخُ الدِّينِ فِي رِسَالَتِهِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ: «أَنَّهُ فِي الْأَظِلَّةِ كَانَ الْخَلْقُ ذُرْواً مِثْلَ دَقِّ الْخَيَالِ بِلَا أَجْسَامٍ وَلَا صُوَرٍ أَشْبَاحاً غَيْرَ مُمَثَّلَةٍ يَسْمَعُونَ وَيَعْقِلُونَ وَيَنْطِقُونَ وَيُعَايِنُونَ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانَ الله يُخَاطِبُ مَنْ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَنْطِقُ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مَا كَانَ قَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وَلَا قَالُوا هُمْ: بَلَىٰ شَهِدْنَا(1)». انتهى.
فَالذَّرُّ لُغَةً هو الغُبَارُ الْمُنْتَشِرُ فِي الْهَوَاءِ وَالَّذِي يُرَىٰ بِوَاسِطَةِ الشُّعَاعِ الدَّاخِلِ مِنْ نَافِذَةٍ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا مِثَالٌ تَقْرِيبِيٌّ لِلْأَذْهَانِ فَلَا يَعْنِي الْمُطَابَقَةَ وَالتَّحَقُّقَ، وَهَذَا فِي مَعْنَىٰ قَوْلِ الشَّيْخِ الْقُدْوَةِ: مِثْلَ دَقِّ الْخَيَالِ، بِلَا صُوَرٍ وَلَا أَجْسَامٍ أَشْبَاحاً غَيْرَ مُمَثَّلَةٍ.




