فَابْنُ آدَمَ خُلِقَ عَلَى أَرْبَعِ طَبَائِعَ: يُبُوسَةٍ وَرُطُوبَةٍ وَحَرَارَةٍ وَبُرُودَةٍ وَرُكِّبَ عَلَى صُورَةِ الفَلَكِ، فَالعَالَمُ الكَبِيرُ وَخَاصَّةً مِنْهُمُ البَابُ وَالأَيْتَامُ هُمْ أَشْخَاصُ الأَكْوَانِ السِّتَّةِ، وَكَذَلِكَ رَسُولُ الله عَزَّ عِزُّهُ كَوْنُ قُدُسِ المَعْرِفَةِ وَهوَ أَعْظَمُهَا، فَلَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ المَعَارِفِ لِأَبِي سَعِيدٍ قَدَّسَهُ اللهُ عَنْ مَوْلَانَا الحَسَنِ عَزَّ عِزُّهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّهُ عَزَّ عِزُّهُ سُئِلَ عَنِ النَّفْسِ؟ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَعْلَمُكُمْ وَأَعْرَفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرَفُكُمْ بِرَبِّهِ، وَأَجْهَلُكُمْ لِنَفْسِهِ أَجْهَلُكُمْ لِرَبِّهِ.
فَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: مَنْ عَرَفَ أَشْخَاصَ تَرْكِيبِهِ وَمَحْمُودَ أَرْوَاحِهِ وَمَذْمُومَهَا فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، عِنْدَ مَعْرِفَتِهِ لِذَلِكَ لِأَنَّ الإِنْسَانَ مُرَكَّبٌ عَلَى أَعْضَاءٍ وَمَفَاصِلَ، وَلَيْسَ مِنْ عُضْوٍ وَلَا مَفْصِلٍ إِلَّا وَلَهُ شَخْصٌ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ.
فَالصُّورَةُ الإِنْسَانِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الأَسْرَارِ الإِلَهِيَّةِ، وَلِأَنَّهَا عَلَى مِثَالِ صُورَةِ الله كَانَتْ هِيَ الصِّرَاطُ وَالحُجَّةُ وَالكِتَابُ وَالرَّابِطُ المُبَاشِرُ فِي التَّعْرِيفِ وَالإِشَارَةِ عَلَى الصُّورَةِ الإِلَهِيَّةِ الأَنْزَعِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الصُّورَةُ الإِنْسَانِيَّةُ وَالهَيْكَلُ الإِنْسَانِيُّ مَجْمُوعَةً مِنْ أَجْزَاءٍ، وَكُلُّ جُزْءٍ اسْمٌ دَالٌّ عَلَيْهِ وَعَلَى صِفَتِهِ، وَلَهُ شَخْصٌ مُمَدُّ لَهُ مِنَ العَالَمِ الكَبِيرِ، وَمِنْ كَوْنِهِ لَزِمَ مَعْرِفَةُ الشَّخْصِ النُّورَانِيِّ وَمَعْرِفَةُ شَرَفِ هَذِهِ الأَجْزَاءِ مِنْ مَعْرِفَةِ أَشْخَاصِهَا وَمَعْرِفَةُ شَرَفِ الشَّخْصِ وَسُمُوِّهِ، هوَ مِنْ خِلَالِ مَكَانَةِ العُضْوِ فِي الجِسْمِ، فَكَمَا كَانَ وَضْعُ العُضْوِ وَعَمَلُهُ فِي الجِسْمِ كَذَلِكَ هوَ تَعْرِيفٌ بِمَكَانَةِ الشَّخْصِ فِي الكَوْنِ وَعَمَلُهُ المُوكَلُ بِهِ مِنَ الله سُبْحَانَهُ،




