وَإِنَّ النُّفُوسَ لَمْ تَكْتَفِ بِاعْتِرَاضِهَا عَلَى الله بَلْ مَنُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَهُ وَيُقَدِّسُونَهُ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، وَكَأَنَّهُمْ هُمْ مَنْ أَعْطَاهُ القُدْسِيَّةَ بِتَقْدِيسِهِمْ لَهُ وَإِذَا لَمْ يُقَدِّسُوهُ زَالَ عَنْ قُدْسِيَّتِهِ، وَكَأَنَّهُمْ يَمُنُّونَ بِتَقْدِيسِهِمْ عَلَيْهِ، فَرُحْمَاكَ يَارَبّ وَنَسْتَقْيلُكَ بِرَحْمَتِكَ مِنْ غَفْلَةِ الجَهْلِ.
وَالله يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾(1).
إِنَّ تَزْكِيَةَ النُّفُوسِ لَهَا بِمَنِّهَا عَلَيْهِ تَعَالَى بِالتَّسْبِيحِ هوَ ذَنْبٌ آخَرُ وَمَعْصِيَةٌ تُضَافُ إِلَى مَعْصِيَتِهِمْ فِي اعْتِرَاضِهِمْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَجْعَلَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ وَعَدَمِ الِالْتِزَامِ بِالنَّهْيِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾.
وَمَا عَلِمُوا أَنَّ تَقْدِيسَهُمْ لَهُ وَتَسْبِيحَهُمْ هُوَمِنْ عَطَاءِ الله تَعَالَى وَتَعْرِيفِهِ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(2).
وَتَعْرِيفًا بِهَذَا هُوَمَا جَاءَ فِي الهَفْتِ وَالأَظِلَّةِ عَنِ الإِمَامِ الصَّادِقِ قَوْلُهُ عَزَّ عِزُّهُ: عِنْدَمَا عَرَّفَتِ الأَرْوَاحُ إِلَى مَا هوَ صَائِرٌ فِيمَا بَيْنَهَا وَعَلَيْهَا قَالَتْ: رَبَّنَا أَخْبَرْتَنَا بِأَنَّكَ تُسْكِنُنَا فِي الأَرْضِ فَتَبْلُونَا دَعْنَا هُنَا نَحْمَدُكَ وَنَشْكُرُكَ وَنَعْبُدُكَ،




