وَتَسْمِيَةُ الأَرْوَاحِ البَشَرِيَّةِ بِالمَلَائِكَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُ العِلْمَ وَالمَعْرِفَةَ وَكَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُجَرَّدَةً عَنِ الكَثِيفِ المَادِّيِّ، وَلَا تَأْلَمُ وَلَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ كَمَا قَالَ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ فِي كِتَابِ المَرَاتِبِ وَالدَّرَجِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا يَوْمَئِذٍ مَانِعٌ عَنْ إِرَادَةٍ وَلَا عَنْ لَذَّةٍ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَهِيَ مِنْ هَذَا المَعْنَى كَالمَلَائِكَةِ الأَبْرَارِ.
فَقَالَ لَهُمْ تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، إِنَّ لَفْظَةَ الخَلِيفَةِ لَهَا مَعَانٍ عِدَّةٌ تَتَطَابَقُ مَعَانِيهَا بِمَا يَجْرِي عَلَى الوَاقِعِ البَشَرِيِّ مِنْهَا: مَا يَأْتِي بِمَعْنَى: النَّبِيِّ المُفْتَرَضِ الطَّاعَةِ، أَوِ الإِمَامِ وَلَا فَرْقَ كَآدَمَ وَدَاوُودَ فِي أَنَّ الله جَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ عَلَى البَشَرِ لِيُدَبِّرُوا شُؤُونَهُمْ وَلِيَحْكُمُوا بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ، وَفِي هَذَا يَقُولُ الله سُبْحَانَهُ: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾(1)، وَمِنْ مَعَانِي الخَلِيفَةِ هُوَمَنْ يَخْلُفُ غَيْرَهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ كَمُوسَى وَهَارُونَ S فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾(2).




