مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قِصَّةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا - غَسَّانُ عَجُوز

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 273 من 320

فَاسْتَحَقَّتْ بِهَذَا رَجَحَانِ كَفَّةُ الهُبُوطِ حَسَبَ مِيزَانِ العَدْلِ الإِلَهِيِّ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ هَذَا العَالَمِ السَّمَاوِيِّ إِلَى هَذَا العَالَمِ الأَرْضِيِّ لِتَعَوُّضَ عَمَّا اعْتَرَاهَا مِنْ نَقْصٍ فِي الإِيمَانِ وَتُصَحِّحَ انْحِرَافَهَا، وَتَتَأَدَّبَ بِشَيْءٍ مِنَ القِصَاصِ وَالخَوْفِ مِمَّا جَنَتْهُ فِي عَالَمِ الرُّوحِ حَتَّى تَتَذَكَّرَ فَتَتُوبَ عَنْ جَهْلِهَا وَتَرْجِعَ إِلَى رَبِّهَا فَتَحْيَا مِنْ جَدِيدٍ فَلَا تَعُودَ إِلَى مُسَبِّبَاتِ الهُبُوطِ.

فَالمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الإِقْرَارِ، وَبِمُقَابِلِ هَذَا كَانَ الهُبُوطُ لِأَهْلِ النِّفَاقِ لِإِتْمَامِ عَدْلِ الله فِيهِمْ بِإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى.

فَكَانَ الهُبُوطُ لِلْجَمِيعِ هو الإِنْذَارُ الأَخِيرُ لِتَمْحِيصِهِمْ فِي مِهْلَةِ الأَجَلِ المُسَمَّى عِنْدَ الله لِإِتْمَامِ دَائِرَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِمَّا السَّعَادَةُ لِلتَّائِبِينَ، وَإِمَّا الشَّقَاءُ لِلْمُعْرِضِينَ الخَائِبِينَ.

وَلَمَّا تَقَرَّرَ إِهْبَاطُ النُّفُوسِ بِالحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا أَرَادَ الله أَنْ يُعَرِّفَهُمْ بِهَا وَمَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ فَالنِّدَاءُ عَامٌ لِلْجَمِيعِ، أَيْ لِكُلِّ مَنْ يَشْمَلُهُ مُسَمَّى المَلَائِكَةِ وَلَكِنَّ المَخْصُوصَ بِالنِّدَاءِ وَالخِطَابِ هُمُ الأَرْوَاحُ الَّتِي هَبَطَتْ بَعْدَ تَوَقُّفِهَا وَتَحَيُّرِهَا، وَإِنْكارِ مَنْ أَنْكَرَ وَالحِكْمَةَ مِنَ الهُبُوطِ كَمَا قُلْنَا لِتَتَأَدَّبَ هَذِهِ الأَرْوَاحُ البَشَرِيَّةُ بِمَنْ سَبَقَهَا مِنَ المَلَائِكَةِ فَتَقْتَدِيَ بِهِمْ وَتَحْذُوَ حَذْوَهُمْ.

الصفحة 273 من 320