الفَصْلُ الثَّامِنُ:
اسْتِحْقَاقُ الهُبُوطِ وَالمِيثَاقُ
نَبْدَأُ بِهَذَا الفَصْلِ فِي ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾(1).
إِنَّ مَا يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الآيَاتِ أَنَّهُ عِنْدَمَا حَصَلَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ النُّفُوسِ وَبَغَتْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهَا العِلْمُ فِيمَا بَيْنَهَا وَظَهَرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَيْرَةِ وَالشَّكِّ بِسَبَبِ الجَهْلِ الحَاصِلِ عَنْ تَقَاعُسِهَا فِيمَا أَوْجَبَ الله عَلَيْهَا إِلَى أَنْ بَلَغَتْ فِي انْحِرَافِهَا حَدَّ الخُرُوجِ عَنْ نُقْطَةِ الِاعْتِدَالِ المُوجِبِ لِبَقَائِهَا فِي عَالَمِ الظِّلَالِ بِحَيْثُ لَمْ يَعُدِ المَكَانُ لَهَا صَالِحًا لِوُجُودِهَا فِيهِ بِسَبَبِ فَشَلِ النُّفُوسِ وَسُقُوطِهَا فِي الِاخْتِبَارِ، وَلَا هُمْ صَالِحُونَ مِنْ بَعْدِ هَذَا لِأَنْ يَبْقُوا فِيهِ لِأَنَّهُ مُقَدَّسٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ غِلٌّ وَلَا حَسَدٌ وَلَا اخْتِلَافٌ وَلَا شَكٌّ وَلَا حَيْرَةٌ،




