إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ عِزُّهُ: وَكُلُّ ذَلِكَ لِيَتَّضِحَ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ اخْتِبَارٌ لِكَيْ يَحِقَّ بِهِ الحَقُّ وَيَبْطُلُ بِهِ البَاطِلُ، وَيَمِيزُ بِهِ مَا بَيْنَ الخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ لِتَثْبُتَ الحُجَّةُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِ الحَقِّ بِالإِعْذَارِ وَالإِنْذَارِ، فَقُلْتُ: مَا أَدَقَّ هَذَا الصِّرَاطَ وَأَعْظَمَهُ وَأَصْعَبَهُ». انتهى.
لَقَدْ بَيَّنَ الإِمَامُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ دِقَّةَ الصِّرَاطِ وَصُعُوبَتَهُ وَعَظَمَتَهُ وَعَلَيْنَا أَنْ نَفْهَمَ وَنَعْرِفَ أَنَّهُ لَا يَسْهُلُ حَمْلُهُ إِلَّا بِنَقَاءِ الجَيْبِ وَصَفَاءِ الطَّوِيَّةِ وَالمُثَابَرَةِ أَقْصَى الجُهْدِ عَلَى تَحْصِيلِ العِلْمِ بِالله وَالإِخْلَاصِ لَهُ، وَالصُّعُوبَةُ تَكْمُنُ فِي إِظْهَارِ البَارِي لِلثَّلَاثِ خَمْسَاتِ الَّتِي هِيَ صِفَاتٌ بَشَرِيَّةٌ، وَالَّتِي تَشَابَهَتْ عَلَى الخَلْقِ وَاشْتَبَهَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ وَأَنَّهَا فِيهِ، وَلَكِنَّهُمْ نَسُوا أَوْ تَنَاسَوْا إِظْهَارَ المُعْجِزِ البَاهِرِ الَّذِي أَظْهَرَهُ وَهو الحُكْمُ الدَّالُّ عَلَى مَعْنَويَّتِهِ، وَكُلُّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّدَبُّرِ بِالعِلْمِ وَالسَّعْيِ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الأَمْرِ الصَّعْبِ عَلَى الجَاهِلِ السَّهْلِ عَلَى العَاقِلِ العَارِفِ، فَإِذَا مَا عَرَفَ الإِنْسَانُ وَعَقَلَ بِأَنَّ: المُعْجِزَ الَّذِي يُظْهِرُهُ صَاحِبُهُ يَنْفِي عَنْهُ العَجْزَ، وَإِنَّ إِظْهَارَهُ العَجْزِ هوَ امْتِحَانٌ وَاخْتِبَارٌ وَمِحْنَةٌ يَتَمَايَزُ فِيهَا العَاقِلُ مِنَ الجَاهِلِ، وَالمُؤْمِنُ مِنَ الكَافِرِ، وَالحُجَّةُ فِيهِ قَائِمَةٌ بِالمُعْجِزِ فَالْعَاقِلُ الَّذِي يَعْقِلُ الأَشْيَاءَ يَعْلَمُ أَنَّ الله سُبْحَانَهُ وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(1).




