وَمِنْ مَعَانِي كَلِمَةِ الفَصْلِ أَيْضًا هوَ مُدَّةُ الأَجَلِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الِاخْتِيَارُ بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ لِيَمِيزَ بَيْنَ الخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَنْ مَحَّضَ الكُفْرَ مَحْضاً، وَبِمَنْ مَحَّضَ الإِيمَانِ مَحْضاً، كُلُّ هَذَا لِاسْتِيفَاءِ الحُقُوقِ، فَبِهِ يَحِقُّ الله الحَقَّ وَبِهِ يَبْطُلُ البَاطِلُ، لِأَنَّ أَهْلَ النِّفَاقِ أَضْمَرُوا الإِنْكَارَ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ وَأَظْهَرُوا الإِسْلَامَ، وَمَا جَرَى هُنَاكَ هوَ جَارٍ هُنَا فِي الأَرْضِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الوَاقِعِ كَالأَضْدَادِ وَالنَّوَاصِبِ الَّذِينَ يَظْهَرُونَ تَمَسُّكَهُمْ بِشَرِيعَةِ رَسُولِ الله عَزَّ عِزُّهُ وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ أَلَدُّ الخِصَامِ وَأَكْفَرُ خَلْقِ الله وَقَدْ مَلَأُوا الأَرْضَ بِشُرورِهِم بِاسْمِ الإِسْلَامِ، وَغَيَّرُوا مَفَاهِيمَ دِينِهِمْ بِبِدَعِهِمْ وَهُمْ يَخْدَعُونَ النَّاسَ بِإِظْهَارِهِمُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالحَجَّ وَهُمْ بَعِيدُونَ عَنْ جَوْهَرِهِ وَحَتَّى عَنْ شَكْلِهِ التَّشْرِيعِيِّ وَهَذَا أَمْرٌ وَأَدْهَى وَأَحْقَرُ وَأَلْعَنُ، وَنِفَاقُهُمْ هَذَا هوَ فِيَ بَابِهِ تَمْحِيصٌ لِكُفْرِهِمْ، وَالحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَيْهِمْ وَقَاطِعَةٌ لِعُذْرِهِمْ فِي اتِّبَاعِهِمْ لِإِبْلِيسَ لَعَنَهُ الله.
وَهَذَا الِاخْتِبَارُ هوَ لِتَمْحِيصِ أَهْلِ النِّفَاقِ، وَهَذَا أَيْضًا قَائِمٌ عَلَى أَهْلِ الإِقْرَارِ لِتَمْحِيصِ نُفُوسِهِمْ مِمَّا عَلِقَ بِهَا مِنْ شَكٍّ وَحَيْرَةٍ وَتَوَقُّفٍ عَنِ الإِجَابَةِ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ، وَهَذَا آتٍ مِنْ قِلَّةِ العَزِيمَةِ فِي الِالْتِزَامِ بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ وَالوَهْنِ المُؤَدِّي إِلَى الفَوْضَى وَاللَّامُبَالَاةِ بِظَاهِرِ الشَّرْعِ، وَالوَاقِعُ خَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى هَذَا غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الإِيمَانِ إِيمَانُهُمْ بِالله وَمَعْرِفَتُهُمْ بِهِ مَعَ إِيمَانِهِمْ بِالشَّرْعِ وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِهِ فَلَهُمُ النَّجَاةُ، وَذَلِكَ عَلَى عَكْسِ أَهْلِ النِّفَاقِ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الِالْتِزَامَ بِالشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَهُمْ مُنْكِرُونَ وَكَافِرُونَ بِمَا نُدِبَتْ إِلَيْهِ الشَّرِيعَةُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ وَهوَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ،




