وَلَمَّا كَانَ الله سُبْحَانَهُ ذُو عَفْوٍ وَمَغْفِرَةٍ وَفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ كَبِيرٍ أَرَادَ التَّعْوِيضَ لَهُمْ هُنَا فِي الأَرْضِ مِمَّا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ نَقْصٍ هُنَاكَ، فَكَانَ هُبُوطُهُمْ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا، فَهَذِهِ حَاجَتُهُمْ لِتَأْدِيبِهِمْ وَرَدْعِهِمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ لِئَلَّا يَعُودُوا مَرَّةً أُخْرَى إِلَى مَا كَانَ السَّبَبُ فِي هُبُوطِهِمْ لِقَوْلِ رَسُولِ الله عَزَّ عِزُّهُ: المُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ.
وَتَهْذِيبُ النُّفُوسِ وَتَدْبِيرُ حَاجَتِهَا لِهَذَا كَانَ مِنْ خِلَالِ مَا يَجِدُونَ مِنَ اللَّذَّةِ وَالأَلَمِ لِيَسْتَدِلُّوا بِقَلِيلٍ مِنْهُ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا يَنْتَظِرُهُمْ فِي عَاقِبَةِ كُلِّ مِنْهُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي دَارِهِ وَأَرَاهُمْ طَرَفًا مِنَ اللَّذَّاتِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُمْ مِنَ اللَّذَّاتِ الخَالِصَةِ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا أَلَمٌ أَلَا وَهِيَ الجَنَّةُ، وَأَرَاهُمْ طَرَفًا مِنَ الآلَامِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُمْ مِنَ الآلَامِ الخَالِصَةِ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا لَذَّةٌ أَلَا وَهِيَ النَّارُ فَمَنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَرَوْنَ نَعِيمَ الدُّنْيَا مَخْلُوطًا بِمِحَنِهَا، وَسُرُورَهَا مَمْزُوجًا بِكَدَرِهَا وَهُمُومِهَا. انتهى.
فَالوَعْدُ وَالتَّرْغِيبُ كَانَ بِاللَّذَّةِ، وَالتَّرْهِيبُ وَالوَعِيدُ كَانَ بِالأَلَمِ وَالغَايَةُ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى الله وَالتَّوْبَةُ عَمَّا سَلَفَ، وَكَذَلِكَ الِاخْتِبَارُ كَانَ لِذَاتِ الغَايَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(1).




