وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الإِنْظَارِ مَعَ أَهْلِ الإِقْرَارِ بِكَونٍ وَاحِدٍ وَعَالَمٍ وَاحِدٍ كَمَا يَقُولُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ، فَكَيْفَ خُلِقَ إِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ وَقَدْ خُلِقُوا سَوِيَّةً أَيْضًا؟! مَعَاذَ الله أَنْ يَخْتَلَّ مِيزَانُ العَدْلِ الإِلَهِيِّ.
هَذَا وَقَدْ حَدَثَ اخْتِلَافُ الأَرْوَاحِ مِنْ بَعْدِ اخْتِيَارِهِمْ بِالدَّعْوَةِ لِمَعْرِفَةِ وَحْدَانِيَّتِهِ وَالإِقْرارِ بِهِ تَعَالَى، وَافْتَرَقُوا حَتَّى أَهْلُ الإِيمَانِ كَانَتْ إِجَابَاتُهُمْ فِي أَوْقَاتٍ شَتَّى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الحَيْرَةِ الَّتِي أَوْقَفَتْهُمْ عَنِ الِاسْتِجَابَةِ لِلهِ كَمَا يَجِبُ بِالسُّرْعَةِ اللَّازِمَةِ، وَلَوْلَا فَضْلُ الله العَظِيمُ وَخَاصَّةُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ مِنَ البَشَرِ لَقُضِيَ الأَمْرُ مِنْ ذَلِكَ الحِينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾(1).
فَالكَلِمَةُ الَّتِي سَبَقَتْ مِنَ الله سُبْحَانَهُ هِيَ تَأْجِيلُ الحِسَابِ وَمُعَاوَدَةُ دَعْوَتِهِمْ مَرَّةً أُخْرَى وَمَرَّاتٍ غَيْرَ أَنَّهَا سَتَكُونُ خَارِجَ هَذَا المَكَانِ الَّذِي هُمْ فِيهِ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ وَهو المَوْصُوفُ بِالجَنَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهَا لَغْوٌ وَلَا تَأْثِيمٌ وَلَا شَيْءٌ مِمَّا أَحْدَثَتْهُ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مِنَ الاخْتِلَافِ وَالبَغْيِ بَيْنَهُمْ كَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُودُوا صَالِحِينَ لِلْبَقَاءِ فِي ذَلِكَ المَكَانِ،




