وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾(1).
وَإِنَّ البَغْيَ الَّذِي حَصَلَ مِنَ الأَرْوَاحِ هو التَّعَدِّي وَالخُرُوجُ عَنِ الآدَابِ الإِلَهِيَّةِ وَالأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي أَوْجَبَهَا الله عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كَائِنٌ عَنِ اتِّبَاعِ الهَوَى النَّاتِجِ عَنِ الجَهْلِ وَقِلَّةِ العِلْمِ بِشَرَائِعِ الله سُبْحَانَهُ وَتَنَاسِيهِمْ لَهَا وَعَدَمِ الاِلْتِزَامِ بِهَا كَمَا عَهِدَ الله لَهُمْ، وَبِهَذَا تَمَايَزَتِ الأَرْوَاحُ بِالِاسْتِحْقَاقِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ مَا عَلِمَ وَجَهِلَ.
وَهَذَا مَا بَيَّنَهُ الإِمَامُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ بِقَوْلِهِ لِلْمُفَضَّلِ مِنْهُ السَّلَامُ كَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصِّرَاطِ وَهُوَ: «وَاعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ الِاخْتِبَارَ وَاقِعٌ بِالعَالَمِ جَمِيعًا فِي عَالَمٍ وَاحِدٍ لَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ وَأَوْجَدَهُمْ نَفْسَهُ وَدَلَّهُمْ عَلَى ذَاتِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَأَظْهَرَ لَهُمْ ظُهُورَاتٍ لَا يَفْضُلُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالُوا: لَوْ أَظْهَرَ لَنَا مَا أَظْهَرَ لِغَيْرِنَا لَصَدَّقْنَا وَآمَنَّا وَعَرَفْنَا الحَقِيقَةَ، فَكَانَ العَدْلُ مِنْهُ أَنَّهُ أَبْدَأَهُمْ بَدْءًا وَاحِدًا وَكَوَّنَهُمْ كَوْنًا وَاحِدًا وَدَعَاهُمْ دَعْوَةً وَاحِدَةً، وَظَهَرَ لَهُمْ ظُهُورًا وَاحِدًا وَاخْتَبَرَهُمْ اخْتِبَارًا وَاحِدًا، فَعَرَفَ مَنْ عَرَفَ، وَأَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ، وَأَجَابَ مَنْ أَجَابَ، وَجَحَدَ مَنْ جَحَدَ، فَمَيَّزَهُمْ بِعِلْمِهِ بِهِمْ، وَأَنَّ لَهُمْ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ مَا اسْتَحَقُّوهُ مِنْ ذَلِكَ».




