وَحَيْثُ أَنَّ الْوَاقِعَ هو الشَّاهِدُ الدَّائِمُ، وَأَنَّهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ مَا فَطَرَ الله عَلَيْهِ الْإِنْسَانَ الْفَرْدَ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ الْمُسَمَّىٰ مِنَ الْوِلَادَةِ إِلَىٰ بُلُوغِ الْحُلُمِ لَا يَكُونُ فِيهَا تَكْلِيفٌ لِلْإِنْسَانِ بِسَبَبِ مَا تَفْرِضُهُ قَوَانِينُ فِطْرَةِ النُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ وَالْجِسْمَانِيِّ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يَتِمُّ فِيهَا تَشْكِيلُ الْوَعْيِ وَالْإِدْرَاكِ لَهُ، وَالتَّعْلِيمُ لَهُ فِيهَا يَتَوَازَىٰ اسْتِيعَابُهُ مَعَ مَرَاحِلِ النُّمُوِّ إِلَىٰ أَنْ يُصْبِحَ الْفَرْدُ شَابّاً قَوِيّاً نَاضِجاً يَسْتَطِيعُ فِيهَا تَحَمُّلَ أَعْبَاءِ التَّكَالِيفِ فِيمَا يُدْعَىٰ إِلَيْهِ وَيُنْدَبُ لَهُ، وَهَذَا فِي بَابِهِ يُشِيرُ إِلَىٰ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَقْضِيهَا الْإِنْسَانُ الْفَرْدُ مِنَ الْوِلَادَةِ إِلَىٰ سِنِّ الْبُلُوغِ بِمَا يُمَاثِلُهَا فِي كَامِلِ الْمُجْتَمَعِ.
وَأَنَّهُ مَرَّ بِفَتْرَةِ طُفُولَةٍ حَتَّىٰ بَلَغَ الْحُلُمَ وَحِينَئِذٍ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ مَسْمَىٰ الْكُفْرِ وَلَا الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْجِنْسَ فِي أَطْوَارِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَلَمْ يَكُنْ بَلَغَ حَدَّ التَّكْلِيفِ، وَهَذِهِ الْمَرْحَلَةُ امْتَدَّتْ مِنْ وَقْتِ الْهُبُوطِ وَلُبْسِ الْأَرْوَاحِ لِهَذَا الْكَثِيفِ الَّتِي هِيَ مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ إِلَىٰ أَنْ ظَهَرَ سَيِّدُنَا نُوحٌ عَزَّ عِزُّهُ وَهُوَ حَدُّ الْبُلُوغِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ فَهْمَنَا هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَالله يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾(1).




