فَالِاخْتِبَارُ مِنْ ضَرُورَاتِ العَدْلِ لِإِقَامَةِ الحُجَّةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ المُطِيعُ مِنَ العَاصِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾(1).
فَالله سُبْحَانَهُ يَسَّرَ لِلْأَرْوَاحِ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ وَبَعْدَ هُبُوطِهِمْ إِلَى البَشَرِيَّةِ سُبُلَ الهِدَايَةِ إِلَيْهِ فَبَيَّنَ لَهُمُ الرَّشَدُ مِنَ الغَيِّ فِي مَرَاحِلِ تَأْدِيبِهِمْ وَإِلْقَاءِ العِلْمِ إِلَيْهِمْ رُوَيْدًا رُوَيْدًا إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ المُقَدَّرِ لَهُمُ القَاطِعِ لِعُذْرِ العَاذِرِ فِي عَدَمِ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ، وَهَذَا الأَجَلُ المُسَمَّى فِيهِ تَكْتَمِلُ أَسْبَابُ الِامْتِحَانِ وَهوَ حَدُّ بُلُوغِ النُّضْجِ لِلنُّفُوسِ، وَمِثَالُهُ فِي الأَرْضِ لِلإِنْسَانِ هوَ بُلُوغُ سِنِّ الحِلْمِ وَالرُّشْدِ وَعَلَامَتُهُ اكْتِمَالُ نُمُوِّ الجِسْمِ وَأَعْضَاؤُهُ وَتَوَقُّفُهُ فِي هَذَا الحَدِّ عَنِ النُّمُوِّ وَالطُّولِ، فَفِي هَذِهِ المُدَّةِ يَبْلُغُ فِيهَا الإِنْسَانُ مِنَ القُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ مَا يَكْفِيهِ لِمَعْرِفَةِ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ وَبِهَذَا يَكُونُ مَسْؤُولًا عَمَّا يَفْعَلُ وَهُنَا يُحَاسَبُ عَلَى فِعْلِهِ بِمِيزَانِ العَدْلِ، وَلَوْ شَاءَ الله سُبْحَانَهُ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا، لَكِنَّ كَمَا أَسْلَفْنَا لَا يَقْسِرُهُمْ عَلَى الإِيمَانِ بِهِ حَتَّى لَا يَضِيعَ العَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ بَيْنَ البَرِّ وَالفَاجِرِ وَلِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ هوَ تَعَالَى مُوجِدُهُمْ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ وَلَهُ الفَضْلُ عَلَيْهِمْ لَا لِغَيْرِهِ، وَمِنْ بَعْدِ أَنْ بَيَّنَ لَهُمُ الرَّشَدَ مِنَ الغَيِّ، وَقَدْ تَبَيَّنَ هَذَا لِجَمِيعِ الخَلْقِ،




