وَكَانَ مِمَّا شَجَّعَ النُّفُوسَ فِي اسْتِهْتَارِهِمْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَقْتَئِذٍ مُحَاسَبَةٌ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ وَكَمَا قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: أَنَّهُ كَانَ آدَمُ فِي الجَنَّةِ بِغَيْرِ لَغَبٍ وَلَا اكْتِسَابٍ وَلَا مَنْعٍ عَنْ إِرَادَةٍ وَلَا عَنْ لَذَّةٍ وَلَمْ تَكُنْ مُحَاسَبَةٌ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَكَمَا قُلْنَا أَنَّ آدَمَ تَعْبِيرٌ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ وَهُمُ الأَرْوَاحُ كُلُّهَا.
وَأَنَّ عَدَمَ وُجُودِ مُحَاسَبَةٍ أَدَّى إِلَى انْزِيَاحِ النُّفُوسِ عَنْ نُقْطَةِ الِاعْتِدَالِ الَّتِي خَلَقَهُمُ الله عَلَيْهَا وَكَانَ هَذَا الِانْزِيَاحُ بِاتِّجَاهِ السَّالِبِ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاتِّجَاهِ الإِيجَابِ، وَهَذَا فِي مَعْنَى شِرْكٍ خَفِيٍّ لَحِقَ بِالنُّفُوسِ وَكَانَ هَذَا خُرُوجًا عَنْ نِعْمَةِ الطَّاعَةِ، وَبِهَذَا الخُرُوجِ عَنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ لَحِقَهُ تَغْيِيرٌ بِمَا أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا تَغَيَّرَتْ نُفُوسُهُمْ، وَيَقُولُ الله فِي هَذَا: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(1).
وَحَصَلَ التَّغْيِيرُ أَوَّلًا فِي الذَّرْوِ بِظُهُورِ مَلَامِحِ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ عَلَى صُوَرِ النُّفُوسِ، وَكُلٌّ عَلَى قَدْرِ إِقْرَارِهِ وَعَلَى قَدْرِ إِنْكَارِهِ.
وَقَدْ قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ فِي هَذَا: تُطْبَعُ الصُّوَرُ عَلَى قَدْرِ الأَعْمَالِ. وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ إِلَى انْطِبَاعِ الصُّوَرِ بِآثَارِ الأَعْمَالِ قَوْلُهُ: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(2).




