مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قِصَّةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا - غَسَّانُ عَجُوز

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 243 من 320

فَبِقَدْرِ مَا يَتَخَلَّقُ الإِنْسَانُ بِآدَابِ الله وَرَسُولِهِ يَكُونُ قَبُولُهُ لِلحَقِّ، وَالعَكْسُ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَمِيزَانُ التَّأَدُّبِ لِلنُّفُوسِ كَمَا قُلْنَا هوَ فِي اتِّبَاعِ أَوَامِرِ الله وَالِانْتِهَاءِ عَنْ نَوَاهِيهِ، وَهَذَا يَظْهَرُ بِالِاخْتِبَارِ.

وَلَكِنَّ السُّؤَالَ: مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ قِلَّةُ الأَدَبِ لِلنُّفُوسِ وَالَّتِي تَسَبَّبَتْ بِالتَّوَقُّفِ وَالحَيْرَةِ عِنْدَ النِّدَاءِ وَالدَّعْوَةِ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ؟ الجَوَابُ وَالله المُسْتَعَانُ: إِنَّ مِنْ أَسْبَابِهَا هو المَكَانُ الَّذِي خَلَقَهُمُ الله فِيهِ وَهوَ بِأَدْنَى دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الجَنَّةِ وَهَذَا فَضْلٌ كَبِيرٌ مِنَ الله سُبْحَانَهُ وَمِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَأَهْلُ الجَنَّةِ مُقَدَّسُونَ وَمُبَرَّؤُونَ مِنَ الكِبْرِ وَالحَسَدِ وَالشَّكِّ وَالحَيْرَةِ فِي الأَصْلِ.

وَمِنَ الأَسْبَابِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الجَنَّةِ تَعَبٌ وَلَا نَصَبٌ فِي تَحْصِيلِ رِزْقٍ أَوْ كَدٌّ لِتَحْصِيلِ مَعَاشٍ فَهُمْ بِرَغَدٍ مِنَ العَيْشِ وَهَنَاءٍ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ يَعْنِي أُعْطُوا هَذَا المَكَانَ وَهَذَا الهَنَاءَ مِنْ غَيْرِ سَابِقِ عَمَلٍ مِنْهُمْ وَهَذَا هو الفَضْلُ مِنَ الله سُبْحَانَهُ، وَأَخْبَرَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ عَنْ حَيَاتِهِمْ هَذِهِ فِي الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ أَصْلَ مَا أُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ وَقَدْ كَانَ فِيهَا بِغَيْرِ لَغَبٍ وَلَا اكْتِسَابٍ، وَلَا مَنْعٍ عَنْ إِرَادَةٍ وَلَا عَنْ شَهْوَةٍ وَلَا عَنْ لَذَّةٍ وَلَا عَنْ مُحَاسَبَةٍ، يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، فَلَمَّا ظَلَمَ نَفْسَهُ وَتَعَدَّى قَوْلَ رَبِّهِ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ أُخْرِجَ مِنْهَا إِلَى دَارِ التَّعَبُّدِ وَالبَلَاءِ وَالشَّقَاءِ وَالمُحَاسَبَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالكَبِيرَةِ، فَكَانَ أَصْلُ الخُرُوجِ مِنَ النِّعْمَةِ إِلَى البَلِيَّةِ وَمِنَ العِزِّ إِلَى الذُّلِّ، وَمِنَ الكَرَامَةِ إِلَى الشَّقَاءِ بِالمَعْصِيَةِ الَّتِي عَصَى آدَمُ بِهَا رَبَّهُ».

الصفحة 243 من 320