وَلَمَّا كَانَتْ مَرَاحِلُ الطُّفُولَةِ لَا يُوجَدُ فِيهَا تَكْلِيفٌ وَلَا مُحَاسَبَةٌ لِأَنَّهُمْ لَا يُمَيِّزُونَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الغَثِّ وَالثَّمِينِ وَهُمْ فِي طَوْرِ النُّمُوِّ وَبِحَاجَةٍ إِلَى التَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ المَرْحَلَةَ لَا تَدُومُ، وَإِنَّمَا أَجَلُهَا هوَ حَدُّ البُلُوغِ كَمَا هوَ مَعْرُوفٌ وَالبُلُوغُ مَعْنَاهُ حَدُّ التَّكْلِيفِ وَالمُحَاسَبَةِ عَلَى مَا كَلَّفَهُ الله بِهِ لِيَخْتَبِرَهُ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ مَا هوَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ بِمَا أَرَادَهُ الله مِنْهُ وَفِي هَذَا قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ كَمَا وَرَدَ فِي نَهْجِ البَلَاغَةِ قَوْلُهُ:
«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا خَلَقَ خَلْقًا أَرَادَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى آدَابٍ رَفِيعَةٍ وَأَخْلَاقٍ شَرِيفَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُعَرِّفَهُمْ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ، وَالتَّعْرِيفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا بِالوَعْدِ وَالوَعِيدِ، وَالوَعْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّرْغِيبِ، وَالوَعِيدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّرْهِيبِ، وَالتَّرْغِيبُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا تَشْتَهِيهِ أَنْفُسُهُمْ وَتَلَذُّ أَعْيُنُهُمْ وَالتَّرْهِيبُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَضْدَادِ ذَلِكَ». انتهى.
إِذَنْ فَالوُاجِبُ عَلَى النُّفُوسِ تَعَلُّمُ الأَدَبِ وَالأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي أَرَادَهَا الله وَذَلِكَ حَتَّى تَتَهَيَّأَ لِقَبُولِ مَعْرِفَةِ الله وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ عِنْدَ الِامْتِحَانِ وَهَذِهِ هِيَ القَاعِدَةُ كَمَا جَاءَ عَنِ الإِمَامِ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ بِقَوْلِهِ: أَدَبُ الدِّينِ قَبْلَ الدِّينِ وَمَنْ لَا أَدَبَ لَهُ لَا دِينَ لَهُ.




