وَعِنْدَمَا خَلَقَ الله أَرْوَاحَ البَشَرِ الَّذِينَ هَبَطُوا خَلَقَهُمْ مِنْ طِينَةِ اللَّاحِقِينَ آخِرَ مَرْتَبَةٍ مِنَ العَالَمِ الصَّغِيرِ، وَفِي هَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾(1).
فَالسَّبْقُ فِي الخَلْقِ كَمَا قَضَتْ مَشِيئَةُ الله فِيهِ سَبْقٌ فِي العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَالإِيمَانِ وَعَلَيْهِ القَوْلُ: إِنَّ السَّابِقَ لَا يُدْرِكُ فَضْلَهُ اللَّاحِقُ. وَفِي هَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾(2).
وَعَلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ فِي الخَلْقِ وَتَسَلْسُلِ المَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ كَانَتْ أَرْوَاحُ البَشَرِ ضَعِيفَةً لِأَنَّهَا آخِرُ المَخْلُوقَاتِ العَاقِلَةِ، وَلِأَنَّهَا مَسْبُوقَةٌ بِمَنْ قَبْلَهَا وَالسَّابِقُونَ لَهُمْ كُلُّهُمْ مِنَ المُخْلِصِينَ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَابِقِ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ فَهُمْ بِذَلِكَ أَرْقَى مِنْ أَرْوَاحِ البَشَرِ الَّذِينَ هَبَطُوا، وَلِهَذِهِ الأَسْبَابِ وُصِفَ الإِنْسَانُ بِالضَّعْفِ، وَمِنَ الضَّعْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَهُمْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَبِذَلِكَ نَطَقَ الكِتَابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾(3).




