الفَصْلُ السَّادِسُ:
سَبَبُ تَوَقُّفِ الأَرْوَاحِ وَاخْتِلَافِهَا فِي الذَّرْوِ
إِنَّ هَذَا البَحْثَ قَدْ أَشْغَلَ الذِّهْنَ البَشَرِيَّ مُنْذُ أَنْ هَبَطَتِ الأَرْوَاحُ إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ وَلَبِسَتْ هَذِهِ الأَجْسَامَ الكَثِيفَةَ المُرَكَّبَةَ مِنَ الطَّبَائِعِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي زَادَتْ تَعَلُّقَ النُّفُوسِ بِهَا، وَلَمَّا كَتَبَ مَنْ كَتَبَ فِي هَذَا المَوْضُوعِ مِنَ العُلَمَاءِ َالسَّابِقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ قَدَّسَ الله سِرَّهُمْ فَكُلٌ كَتَبَ بِمَا بَلَغَهُ عِلْمُهُ وَوَصَلَ إِلَيْهِ فَهْمُهُ غَيْرَ أَنِّي وَجَدْتُ أَنَّهُ بَقِيَ فِي المَوْضُوعِ بَعْضُ الإِشْكَالاتِ الَّتِي لَمْ تَتَّضِحْ بِشَكْلٍ صَرِيحٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكْتُبَ مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ البَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ رُبَّمَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ وَالله وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَمِنْهُ نَسْتَمِدُّ المَعُونَةَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهو العَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾(1).
إِنَّ الله قَضَى بِحِكْمَتِهِ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ لَاحِقٌ عَنْ سَابِقٍ مَرْتَبَةً لَاحِقَةً عَنْ مَرْتَبَةٍ سَابِقَةٍ، وَبِهَذَا السَّبْقِ تَمَايَزَتِ الدَّرَجَاتُ وَالمَرَاتِبُ، فَكُلُّ مَرْتَبَةٍ سَمَاءٌ لِمَنْ دُونَهَا أَرْضٌ لِمَنْ فَوْقَهَا إِلَى أَنْ تَمَّتْ مَرَاتِبُ وَدَرَجَاتُ العَالَمِينَ الكَبِيرِ النُّورَانِيِّ وَالعَالَمِ الصَّغِيرِ الرُّوحَانِيِّ.




