مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قِصَّةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا - غَسَّانُ عَجُوز

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 234 من 320

قَدْ بَيَّنَ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّ التَّرَاكِيبَ هِيَ المَسُوخِيَّةُ وَأَصْنَافُهَا فَهِيَ كَوْنٌ وَاحِدٌ هوَ كَوْنُ الظُّلْمَةِ الخَالِيَةِ مِنْ كُلِّ نُورٍ، وَهِيَ النَّارُ وَعِلَّةُ الشُّرُورِ، وَبِمَا أَنَّ المَسُوخِيَّةَ هِيَ كَوْنُ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَتْبَاعِهِ قِيلَ: أَنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ الظُّلْمَةِ وَقِيلَ: مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ، لِأَنَّ مَآلَهُ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُ عَاقِبَتُهُمُ النَّارُ وَهِيَ المَسُوخِيَّةُ وَهِيَ كَوْنُ الظُّلْمَةِ، وَكَمَا قَالَ العِمَادُ الغَسَّانِيُّ قَدَّسَهُ اللهُ فِي جَوَابِ المَسْأَلَةِ الخَامِسَةِ: «فَقَدْ سَمَّى الشَّيْءَ بِبَعْضِ عِلَلِهِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ الإِنْسَانَ مِنْ تُرَابٍ، وَيُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يَمُوتُ فَيَصِيرُ تُرَابًا. . .

إِلَى قَوْلِهِ قَدَّسَهُ اللهُ: فَعَلَى هَذَا يُقَالُ: إِنَّ إِبْلِيسَ خُلِقَ مِنَ الجَهْلِ وَأَنَّهُ الجَهْلُ وَقَدْ تُقْلَبُ العِلَّةُ مَعْلُولًا بِالتَّسْمِيَةِ بِطَرِيقِ المَجَازِ». انتهى.

وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعَهُ ابْتِدَاءً مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهِمْ مِنَ الظُّلْمَةِ أَوِ النَّارِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانُوا مَنْ بَدْئِهِمْ مَسُوخًا، وَكَوْنُ المَسُوخِ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لَا يَعْقِلُونَ، فَهَذِهِ صِفَاتُ أَهْلِ النَّارِ، وَالله سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخَاطِبَ مَنْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَوْ كَانَ خَلَقَهُمْ هَكَذَا مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ لَهُمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فِي خِطَابِهِ لَهُمْ وَعَرْضِ الدَّعْوَةِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَنْطِقُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ خِطَابُهُ لَهُمْ وَهُمْ وَعَالَمُ الإِقْرَارِ كَانُوا بِكَوْنٍ وَاحِدٍ وَالجَمِيعُ عَقَلَ الخِطَابَ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْهُمْ ابْتِدَاءً مِنَ الظُّلْمَةِ، بَلْ كَانَ الجَمِيعُ مُتَسَاوُونَ بِالنَّشْأَةِ الأُولَى فِي عَالَمِ الظِّلَالِ.

الصفحة 234 من 320