قَدْ بَيَّنَ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّ التَّرَاكِيبَ هِيَ المَسُوخِيَّةُ وَأَصْنَافُهَا فَهِيَ كَوْنٌ وَاحِدٌ هوَ كَوْنُ الظُّلْمَةِ الخَالِيَةِ مِنْ كُلِّ نُورٍ، وَهِيَ النَّارُ وَعِلَّةُ الشُّرُورِ، وَبِمَا أَنَّ المَسُوخِيَّةَ هِيَ كَوْنُ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَتْبَاعِهِ قِيلَ: أَنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ الظُّلْمَةِ وَقِيلَ: مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ، لِأَنَّ مَآلَهُ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُ عَاقِبَتُهُمُ النَّارُ وَهِيَ المَسُوخِيَّةُ وَهِيَ كَوْنُ الظُّلْمَةِ، وَكَمَا قَالَ العِمَادُ الغَسَّانِيُّ قَدَّسَهُ اللهُ فِي جَوَابِ المَسْأَلَةِ الخَامِسَةِ: «فَقَدْ سَمَّى الشَّيْءَ بِبَعْضِ عِلَلِهِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ الإِنْسَانَ مِنْ تُرَابٍ، وَيُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يَمُوتُ فَيَصِيرُ تُرَابًا. . .
إِلَى قَوْلِهِ قَدَّسَهُ اللهُ: فَعَلَى هَذَا يُقَالُ: إِنَّ إِبْلِيسَ خُلِقَ مِنَ الجَهْلِ وَأَنَّهُ الجَهْلُ وَقَدْ تُقْلَبُ العِلَّةُ مَعْلُولًا بِالتَّسْمِيَةِ بِطَرِيقِ المَجَازِ». انتهى.
وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعَهُ ابْتِدَاءً مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهِمْ مِنَ الظُّلْمَةِ أَوِ النَّارِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانُوا مَنْ بَدْئِهِمْ مَسُوخًا، وَكَوْنُ المَسُوخِ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لَا يَعْقِلُونَ، فَهَذِهِ صِفَاتُ أَهْلِ النَّارِ، وَالله سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخَاطِبَ مَنْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَوْ كَانَ خَلَقَهُمْ هَكَذَا مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ لَهُمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فِي خِطَابِهِ لَهُمْ وَعَرْضِ الدَّعْوَةِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَنْطِقُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ خِطَابُهُ لَهُمْ وَهُمْ وَعَالَمُ الإِقْرَارِ كَانُوا بِكَوْنٍ وَاحِدٍ وَالجَمِيعُ عَقَلَ الخِطَابَ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْهُمْ ابْتِدَاءً مِنَ الظُّلْمَةِ، بَلْ كَانَ الجَمِيعُ مُتَسَاوُونَ بِالنَّشْأَةِ الأُولَى فِي عَالَمِ الظِّلَالِ.




