فَقَوْلُ الإِمَامِ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ لِلْبَشَرِ عَلَى مُقْتَضَى مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي الذَّرْوِ، فَفَريقٌ تَمَيَّزَ شِمَالًا وَأَظْلَمَ لِوَقْتِهِ كَإِبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ، وَفَرِيقٌ أَضْمَرَ الإِنْكَارِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ نَافَقَ وَأَظْهَرَ الإِسْلَامَ، وَفَرِيقٌ أَضْمَرَ الإِيمَانِ لَكِنِ اعْتَرَاهُ الوَهْنُ وَالفُتُورُ وَقِلَّةُ العَزِيمَةِ بِسَبَبِ مَا لَحِقَهُ مِنَ الشَّكِّ وَالحَيْرَةِ فَتَوَقَّفَ عَنِ الإِجَابَةِ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أَفْرِقَاءَ هُمُ الإِنْسُ وَالجِنُّ وَالشَّيْطَانُ.
وَفِي كِتَابِ الهَفْتِ وَالأَظِلَّةِ، سُئِلَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ عَنْ إِبْلِيسَ هَلْ هوَ ظَاهِرٌ أَمْ بَاطِنٌ؟ قَالَ عَزَّ عِزُّهُ: «هوَ ظَاهِرٌ بِالتَّرَاكِيبِ بَاطِنٌ فِي المَعْرِفَةِ، أَلَمْ تَرَ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ فِي التَّرَاكِيبِ وَقَدْ خَفِيَتْ عَلَيْكَ مَعْرِفَتُهُمْ، وَإِنَّكَ لَتُخَالِطُهُمْ وَيُخالِطِونَكَ وَلَا تَعْرِفُهُمْ، نَحْنُ نَعْرِفُهُمْ. وَالخِطَابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُفَضَّلِ السَّائِلِ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ رَأَيْتَكَ مَكَانَهُمْ أَوْ مَعَهُمْ أَفْعَلُ ذَلِكَ، أَوْ إِذَا خَرَجْنَا نَحْوَ الجَبَّانَةِ فَذَكِّرْنِي، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ هَمِّي الوَحِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ، وَعِنْدَمَا اجْتَمَعْنَا فِي قَصْرِ الرَّبِيعِ وَهوَ نَاحِيَةُ الجَبَّانَةِ، وَإِذِ النَّاسُ مُقْبِلُونَ وَمُدْبِرُونَ فَقُلْتُ: وَعَدْتَنِي أَنْ تُرِيَنِي المَسُوخِيَّةَ، وَأَمَرْتَنِي أَنْ أُذَكِّرَكَ، قَالَ: فَمَسَحَ عَلَى عَيْنَيَّ ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ، فَنَظَرْتُ إِلَى القَوْمِ الَّذِينَ رَأَيْتُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، وَقَدْ عَادَ أَكْثَرُهُمْ كِلَابًا وَقِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَثَعَالِبَ وَغَيْرَ ذَلِكَ.




