هَذَا وَقَدْ بَيَّنَا بِالدَّلِيلِ مِنْ قَوْلِ شَيْخِ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الأَرْوَاحِ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ وَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ العَاصِينَ، وَلَمْ يَعْصِ الله أَحَدٌ قَبْلَهُ حَتَّى يُخْلَقَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَذَنْبِهِ شَيْطَانًا كَعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ لَعَنَهُ الله لَعْنًا كَثِيرًا وَكَبِيرًا. وَبِخُصُوصِ هَذِهِ العَنَاصِرِ المَذْمُومَةِ قَالَ الإِمَامُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ فِي كِتَابِ الصِّرَاطِ عَنْ دَعْوَةِ إِبْلِيسَ قَوْلُهُ: «أَنَّهَا مُسْتَقِرَّةٌ فِي النَّفْسِ المَذْمُومَةِ الَّتِي قَالَ الله فِيهَا: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾(1)، وَقَالَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾(2)، وَقَالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ﴾(3). وَكُلُّ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الخِطَابِ فَهوَ مَذْمُومٌ.
وَأَمَّا نَفْسُ المُؤْمِنِ فَإِنَّ لَهَا زَاجِرًا وَوَاعِظًا يَأْمُرُهَا وَيَنْهَاهَا وَهو الذِي يُعَارِضُ النَّفْسَ وَيَكْشِفُ لَهَا قُبْحَ مَعَانِي الأَشْيَاءِ القَبِيحَةِ وَحُسْنَ مَعَانِي الأَشْيَاءِ الصَّادِقَةِ الصَّحِيحَةِ وَيُبَيِّنُ لَهَا مَآلَ العَاقِبَةِ فِي ذَلِكَ فَيُعَارِضُهَا وَذَلِكَ المُعَارِضُ مِنْ جَوْهَرِ السَّبِيلِ هوَ حَالٌّ فِي النَّفْسِ مُسَاوٍ لَهَا، فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ دَعْوَةُ الضِّدِّ فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ زَجَرَهَا وَعَارَضَهَا ذَلِكَ الجَوْهَرُ وَأَلْقَى إِلَيْهَا فَهْمَهُ وَكَشَفَ طَبَائِعَهُ، فَإِنِ ارْتَدَعَتِ النَّفْسُ وَقَبِلَتْ بَعُدَتْ عَنْهَا دَعْوَةُ الضِّدِّ فَلَا يَجْعَلُ لَهَا فِي تِلْكَ النَّفْسِ مُسْتَقَرًّا، وَإِنْ خَالَفَتِ النَّفْسُ ذَلِكَ الجَوْهَرَ وَعَانَدَتْ وَلَمْ تُصْغِ إِلَيْهِ فِيمَا أَوْضَحَهُ لَهَا وَغَلَبَتْ دَعْوَةُ الضِّدِّ يَزولُ ذَلِكَ الجَوْهَرِ عَنِ المَعْدِنِ وَتَصِيرُ تِلْكَ النَّفْسُ مُسْتَقَرًّا لِلدَّعْوَةِ الضِّدِّيَّةِ، وَأَيُّ شَيْءٍ تُورِدُهُ الدَّعْوَةُ الضِّدِّيَّةُ لَهَا تَقْبَلُهُ وَتُجِيبُ إِلَيْهِ مِنْ سَائِرِ وُجُوهِ البَاطِلِ خِلَافًا لِلْجَوْهَرِ الَّذِي هو السَّبِيلُ». انتهى.




