وَالله سُبْحَانَهُ يَقُولُ فِيهِمْ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾(1)، أَيْ لَا نَقْبَلُهُ وَلَا وَزْنَ لَهُ عَالَمُ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ هَذِهِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى.
وَعَلَى هَذَا المَبْدَأِ فِي الحَقِّ تَلْحَقُ الأَعْمَالُ بِجَوَاهِرِهَا، فَالأَعْمَالُ المَحْمُودَةُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَمَا شَابَهَ هَذِهِ هِيَ خَالِصَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَبَاقِيَةٌ أَبَدَ الدَّهْرِ عَلَى مُقْتَضَى سِنْخِ الإِيمَانِ بِالله وَرَسُولِهِ، فَالمُؤْمِنُونَ هُمْ أَهْلٌ لِهَذَا.
مِمَّا تَقَدَّمَ يَتَّضِحُ أَنَّ المِزَاجَ الدَّمَوِيَّ وَالأَعْضَاءَ المَذْمُومَةَ المُرَكَّبَةَ فِي الهَيْكَلِ الإِنْسَانِيِّ الكَثِيفِ هِيَ بِسَبَبِ الذَّنْبِ الحَاصِلِ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ وَلِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي البَرِّ وَالفَاجِرِ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الأَعْضَاءُ تَفْعَلُ بِالنَّفْسِ الأَوْهَامَ وَالأَمْرَاضَ وَالشُّكُوكَ، وَتَعْتَرِضُ جَوْهَرَ السَّبِيلِ فَهِيَ تُمَاثِلُ بِفِعْلِهَا فِعْلَ إِبْلِيسَ فَهِيَ مُسَمَّاةٌ بِأَشْخاصِهِ، وَلِذَلِكَ جَازَ القَوْلُ بِتَسْمِيَةِ المِزَاجِ الدَّمَوِيِّ فِي الهَيْكَلِ التُّرَابِيِّ بِإِبْلِيسَ لِأَنَّهُ مِثَالُهُ، وَعَلَى هَذَا يَتَبَيَّنُ: أَنَّ إِبْلِيسَ المَخْلُوقَ مِنْ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ هوَ هَذَا المِزَاجُ الدَّمَوِيُّ وَعَنَاصِرُهُ المَذْمُومَةُ، وَلَيْسَ كَمَا يَظُنُّ الجَاهِلُ بِأَنَّهُ الثَّانِيَ لَعَنَهُ الله أَنَّهُ هو المَخْلُوقٌ مِنْ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ، أَيْ ابْتِدَأَ الله نَشَأَتْهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا المُؤْمِنُونَ فَلَا يَكُونُ هَذَا مَعْقُولًا وَلَا يَكُونُ هَذَا عَدْلًا،




