وَالله سُبْحَانَهُ يَأْمُرُ النَّاسَ وَيَحُضُّهَمْ عَلَى مَعْرِفَةِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَالِ الْوَاقِعِ الَّذِي يَعِيشُونَهُ مِنْ حَمْلٍ وَتَوَالُدٍ، وَفِي هَذَا يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ الله يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ الله عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(1).
وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، وَفِي هَذَا السِّيَاقِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾(2)، فَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى فِي الرَّحِمِ إِمَّا سَبْعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ تِسْعَةٌ لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ وَلَا تُرْجَى حَيَاةٌ لِمَنْ يُولَدُ بَيْنَهُمَا أَيْ فِي الثَّمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ فَالْعَدَدَانِ السَّبْعَةُ وَالتِّسْعَةُ إِشَارَةٌ لِلتَّعْرِيفِ بِمَظَاهِرِ الْمَعْنَى السَّبْعَةِ الذَّاتِيَّةِ وَمَظَاهِرِ الِاسْمِ التِّسْعَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَأَيْضاً لِلتَّعْرِيفِ بِالنِّدَاءَاتِ وَالْمَوَاثِيقِ الَّتِي أَخَذَهَا الْمَعْنَىٰ عَلَىٰ الْأَرْوَاحِ وَهُمْ أَجِنَّةٌ فِي الْأَرْحَامِ فِي التَّرْكِيبَاتِ السَّبْعَةِ حَيْثُ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْهَا يَكُونُ نِدَاءٌ وَمِيثَاقٌ مِنَ الله عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مَغْرُوزٌ فِي جِبِلَّتِهِمُ الْأُولَىٰ كَمَا كَانَ فِي الذَّرْوِ أوَّلاً، فَالله سُبْحَانَهُ كُلَّمَا أَعَادَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ جَدِيدٍ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا أَجْرَاهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَتَكُونُ إِعَادَتُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَأَنَّ الله فَطَرَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ لِقَوْلِ السَّيِّدِ الرَّسُولِ عَزَّ عِزُّهُ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، أَيْ عَلَىٰ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ.




