أَمَّا القَوْلُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ وَقَالَ هَذِهِ إِلَى الجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، فَالمُرَادُ بِالقَبْضَةِ هُمْ أَهْلُ اليَمِينِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَةَ الحَقِّ وَأَقَرُّوا بِالله وَآمَنُوا بِهِ، وَاللَّامُبَالَاةُ مَعْنَاهَا عَدَمُ الِاهْتِمَامِ وَالاِِكْتِرَاثِ بِالشَّيْءِ، وَلَكِنَّ عَدَمَ المُبَالَاةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ، وَتَعْلِيلُ هَذَا كَمَا هوَ مُؤَكَّدٌ وَمَعْرُوفٌ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ، وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ كَانَتِ الغَايَةُ مِنْهُ مَعْرِفَةَ الله وَالإِقْرَارَ بِهِ، فَإِذَا عَرَفَ العَبْدُ مَوْلَاهُ وَآمَنَ بِهِ وَثَبَتَ يَقِينُهُ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهِ فَعِنْدَئِذٍ لَا يُبَالِي الله عَمَّا تَقَاعَسَ عَنِ المُؤْمِنِ مِنْ أَفْعَالِ الوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ الله مِنْ كُلِّ هَذِهِ الآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ مَعْرِفَتُهُ وَالإِيمَانُ بِهِ وَهَذَا تَمَّ حُصُولُهُ لِلْمُؤْمِنِ فَهَذِهِ دَرَجَةُ الفَوْزِ عِنْدَ الله وَبِهَا يَبْلُغُ المُؤْمِنُ مَأْمَنَهُ، وَلَا يَعْنِي هَذَا عَدَمَ مُحَاسَبَتِهِ عَلَى التَّقْصِيرِ وَإِنَّمَا سَيَتِمُّ الحِسَابُ وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾(1)، أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ عِزُّهُ: قَبَضَ قَبْضَةً بِشِمَالِهِ وَقَالَ هَذِهِ إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي.
1سورة الشورى _ الآية (30)




