وَقَوْلُهُ عَزَّ عِزُّهُ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ الله خَلَقَ الأَشْيَاءَ مِنْ شَيْءٍ، فَالأَشْيَاءُ هُنَا يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّهُ يُرَادُ بِهَا الأَرْوَاحُ البَشَرِيَّةُ، لِأَنَّ الكَلَامَ فِي مَعْرِضِ هَذَا فَمَنْ يَقُولُ: أَنَّ الأَرْوَاحَ أَصْلُهَا مِنْ مَادَّةٍ تُرَابِيَّةٍ كَثِيفَةٍ فَقَدْ كَفَرَ، لِأَنَّ التُّرَابَ كَثِيفٌ وَمُظْلِمٌ بِطَبْعِهِ، وَهَذَا فِي بَابِهِ هُوَ تَوْجِيهُ العَقْلِ لِلإِنْسَانِ لِمَعْرِفَةِ أَنَّهُ فِي عَالَمِ الذَّرْوِ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الكَثَائِفِ الحَاجِبَةِ بِظُلْمَتِهَا وَلَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي عَالَمِ الرُّوحِ عِنْدَمَا خَلَقَهُمُ الله لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
فَالمَقْصُودُ بِالطِّينَتَيْنِ العَذْبَةِ وَالمَالِحَةِ هِيَ تِلْكَ الأَجْسَامُ التُّرَابِيَّةُ الَّتِي أَلْبَسَهَا لِلْأَرْوَاحِ عِنْدَ هُبُوطِهَا إِلَى دَارِ الدُّنْيَا جَزَاءً عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا فِي عَالَمِ الظِّلَالِ وَلِكَيْ يَعَاوِدَهَا الكَرَّةُ هُنَا مَرَّةً أُخْرَى لُطْفًا وَرَحْمَةً بِهَا وَيَخْتَبِرَهَا وَيُصَفِّيَهَا بِمَا يَعْقِّلُهَا بِحِكْمَتِهِ فِي الكَثيفِ تَعْوِيضًا لِمَا حَصَلَ مِنْهَا فِي الذَّرْوِ، وَكَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ لَدَى النَّاسِ جَمِيعِهِمْ بِأَنَّ الهَيَاكِلَ التُّرَابِيَّةَ خَلَقَهَا الله مِنْ أَخْلَاطٍ وَطَبَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ كَانَتْ كَذَلِكَ الأَعْضَاءُ فِي الهَيْكَلِ الإِنْسَانِيِّ حَامِلَةً فِي صِفَاتِهَا لِمَعَانِي هَذَا الِاخْتِلَافِ، فَمِنْ هَذِهِ الأَعْضَاءِ مَحْمُودٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَصْلٍ سَابِقٍ مَحْمُودٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَذْمُومٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ذَنْبٍ لَاحِقٍ بِأَصْلٍ مَذْمُومٍ، وَبِهَذَا المَعْنَى يَتَّضِحُ مَزْجُ الطِّينَتَيْنِ أَنَّهُمَا فِي هَذَا الهَيْكَلِ التُّرَابِيِّ الدَّمَوِيِّ، وَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ مَجْمُوعُ العَالَمِينَ.




