وَالعَالَمُ العُلْوِيُّ هُنَا لَا يَقْصِدُ العَالَمَ الكَبِيرَ النُّورَانِيَّ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ المَكَانَ النُّورَانِيَّ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ وَهَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَى عَدْلِ الله وَإِحْسَانِهِ فِي أَنَّهُ أَنْشَأَ الأَرْوَاحَ جَمِيعَهَا بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا ابْتِدَاءً لِأَوَّلِ مَرَّةٍ عَلَى ذَاتِ السَّوِيَّةِ.
وَفِي العَدْلِ وَالمُسَاوَاةِ بَيْنَ العِبَادِ يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾(1).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾(2).
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، فَالتَّشْبِيهُ بِالكَافِ أَيْ كَأَنَّ جَمِيعَ الأَرْوَاحِ فِي النَّشْأَةِ البَشَرِيَّةِ وَاحِدَةٌ كَالتَّشْبِيهِ بِالقَوْلِ: أَنَّ الله خَلَقَ الأَرْوَاحَ بِالتَّسَاوِي كَأَسْنَانِ المِشْطِ، وَالمَعْنَى مِنْ هَذَا بِأَنَّ الله أَجْرَى عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِشَرِيَّةٍ سَوَاءً أَكَانَ فِي خَلْقِهَا أَوْ فِي دَعْوَتِهَا، العَدْلَ فِيهَا، أَيِ المُسَاوَاةَ بَيْنَهَا عَلَى عَلَى ذَاتِ القَدْرِ لِلْجَمِيعِ كَمَا بَيَّنَهُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ عَالَمُ الاِنْكارِ فِي وَقْتِ الدَّعْوَةِ كَانُوا هُمْ وَعَالَمُ الإِقْرَارِ بِكَونُ وَاحِدًا. انتهى.




