وَكَيْفَ تَقْبَلُ عُقُولُهُمْ مِثْلَ هَذِهِ الأَرَاجِيفِ وَهُمْ يَدَّعُونَ مَعْرِفَةَ عَدْلِ الله؟! أَهَكَذَا يَكُونُ العَدْلُ وَالمُسَاوَاةُ؟ كَلَّا، وَلَا يُمْكِنُ لِعَاقِلٍ الأَخْذُ بِهَذِهِ المَفَاهِيمِ المَعْكُوسَةِ لِأَسْبَابٍ وَجِيهَةٍ يُقِرُّهَا العَدْلُ الإِلَهِيُّ فِي المُسَاوَاةِ بَيْنَ الجَمِيعِ فِي الخَلْقِ وَالدَّعْوَةِ، وَهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ شُعْبَةَ قَدَّسَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ حُجَّةِ العَارِفِ فِي البَابِ العَاشِرِ قَوْلُهُ فِي إِبْلِيسَ:
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ نُورَانِيًّا مِنْ جُمْلَةِ الَّذِينَ أُهْبِطُوا إِلَى الأَرْضِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ: أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾(1)، وَالجِنُّ هُمُ المُؤْمِنُونَ وَإِنَّهُ بِإِنْكَارِهِ اسْتَحَالَ ظُلْمَةً. انتهى.
وَقَالَ أَيْضًا قَدَّسَهُ اللهُ فِي نَفْسِ البَابِ مِنَ الكِتَابِ قَبْلَ النَّصِّ السَّابِقِ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إِبْلِيسَ خُلِقَ مِنْ ظُلْمَةٍ وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الأُولَى أَثْبَتُ فِي العَدْلِ وَأَوْضَحُ فِي العَقْلِ أَنَّهُ كَانَ نُورَانِيًّا مِنْ جُمْلَةِ المَهْبُوطِينَ الَّذِينَ أُهْبِطُوا إِلَى الأَرْضِ. انتهى. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الكَلَازِيُّ قَدَّسَهُ اللهُ فِي جَوَابِ المَسْأَلَةِ (١١٩): «وَكَانَ إِبْلِيسُ نُوراً فَأَظْلَمَ مِنْ وَقْتِهِ وَصَارَ ظُلْمَةً لَا نُورَ فِيهِ، فَأَلْبَسَهُ الله قِمْصَ البَشَرِيَّةِ وَمِنْها دَخَلَ فِي المَسُوخِيَّةِ وَأَهْبَطَهُ إِلَى الدَّارِ السُّفْلَانِيَّةِ»، وَهَذَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَوْلُ شَيْخِ الدِّين ِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ عِنْدَ الدَّعْوَةِ فَقَالَ: لَا فَأَظْلَمَ فِي الوَقْتِ وَصَارَ شِمَالًا، وَالقَوْلُ لِابْنِ شُعْبَةَ قَدَّسَهُ اللهُ كَانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَعْنِي عِنْدَمَا خَلَقَ الأَرْوَاحَ بِإِحْسَانِهِ خَلَقَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ وَهِيَ فِطْرَةُ الله، وَمِنْ ثُمَّ كَفَرَ مَنْ كَفَرَ، وَآمَنَ مَنْ آمَنَ.




