مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قِصَّةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا - غَسَّانُ عَجُوز

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 214 من 320

وَمَنْ يَظُنُّ بِأَنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنْ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ فَهُوَ يُبَرِّئُ سَاحَتَهُ مِنْ فِعْلِ القَبِيحِ وَمِنْ فِعْلِ الإِنْكَارِ لِلهِ وَالعِصْيَانِ لَهُ تَعَالَى، وَيَتَّهِمُ المُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الظَّنِّ الفَاسِدِ يَكُونُ أَهْلُ الإِيمَانِ هُمْ عِلَّةُ وُجُودِ إِبْلِيسَ وَأَصْلُهُ وَلَيْسَ الظُّلْمَةُ، وَيَكُونُ إِبْلِيسُ فَرْعًا لَهُمْ، فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ لَكَانَ إِبْلِيسُ أَفْضَلَ حَالًا عِنْدَ الله مِمَّنْ أَصْلُهُ الَّذِي هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَلِأَنَّ الأَصْلَ أَكْبَرُ مِنَ الفَرْعِ، وَكَانَ صُدُورُ المَعْصِيَةِ عَنْ إِبْلِيسَ تَبْرِيرًا لَهُ لِأَنَّ الظُّلْمَةَ لَا يَصْدُرُ عَنْهَا إِلَّا ظُلْمَةٌ أَيْ أَفْعَالًا قَبِيحَةً وَمَعْصِيَةً فَيَكُونُ فَعَلَ عَلَى حَسَبِ مَا خَلَقَهُ الله عَلَيْهِ وَلَكَانَ المُؤْمِنُونَ أَفْعَالُهُمُ المَعْصِيَةَ أَقْبَحَ وَصُدُورُ الشَّرِّ عَنْهُمْ أَعْظَمَ مَعْصِيَةً لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا الأَصْلَ الَّذِينَ خُلِقُوا مِنْهُ، بَيْنَمَا إِبْلِيسُ فَعَلَهُ أَصْلُهُ الَّذِي خُلِقَهُ عَلَيْهِ، وَالمُؤْمِنُونَ خَالَفُوا أَصْلَهُمْ فَتَكُونُ مَعْصِيَتُهُمْ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ، وَلَكَانَ إِبْلِيسُ مُطِيعًا لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ أَصْلَهُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ بَقِيَ عَلَى مَا أَرَادَهُ الله، وَجَلَّ الله عَنِ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ، فَعَلَى العَاقِلِ أَنْ يَتَدَبَّرَ هَذَا وَنَسْأَلُهُ: هَلْ مِنَ العَدْلِ أَنْ يَخْلُقَ إِبْلِيسًا مِنَ الظُّلْمَةِ ابْتِدَاءً وَهِيَ لَا تَقْبَلُ النُّورَ وَلَا تُؤْمِنُ بِهِ وَلَا مَنْ خُلِقَ مِنْهَا ثُمَّ يَأْمُرُهُ الله بِالإِيمَانِ فَلَنْ يُؤْمِنَ ثُمَّ يُعَاقِبُهُ عَلَى كُفْرِهِ؟! يَا وَيْحَ نَفْسِي أَنَّى لِمُدَّعِي الدِّينِ القَوْلُ بِمَقْلُوبَاتِ الحَقَائِقِ؟

الصفحة 214 من 320