وَمَنْ يَظُنُّ بِأَنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنْ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ فَهُوَ يُبَرِّئُ سَاحَتَهُ مِنْ فِعْلِ القَبِيحِ وَمِنْ فِعْلِ الإِنْكَارِ لِلهِ وَالعِصْيَانِ لَهُ تَعَالَى، وَيَتَّهِمُ المُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الظَّنِّ الفَاسِدِ يَكُونُ أَهْلُ الإِيمَانِ هُمْ عِلَّةُ وُجُودِ إِبْلِيسَ وَأَصْلُهُ وَلَيْسَ الظُّلْمَةُ، وَيَكُونُ إِبْلِيسُ فَرْعًا لَهُمْ، فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ لَكَانَ إِبْلِيسُ أَفْضَلَ حَالًا عِنْدَ الله مِمَّنْ أَصْلُهُ الَّذِي هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَلِأَنَّ الأَصْلَ أَكْبَرُ مِنَ الفَرْعِ، وَكَانَ صُدُورُ المَعْصِيَةِ عَنْ إِبْلِيسَ تَبْرِيرًا لَهُ لِأَنَّ الظُّلْمَةَ لَا يَصْدُرُ عَنْهَا إِلَّا ظُلْمَةٌ أَيْ أَفْعَالًا قَبِيحَةً وَمَعْصِيَةً فَيَكُونُ فَعَلَ عَلَى حَسَبِ مَا خَلَقَهُ الله عَلَيْهِ وَلَكَانَ المُؤْمِنُونَ أَفْعَالُهُمُ المَعْصِيَةَ أَقْبَحَ وَصُدُورُ الشَّرِّ عَنْهُمْ أَعْظَمَ مَعْصِيَةً لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا الأَصْلَ الَّذِينَ خُلِقُوا مِنْهُ، بَيْنَمَا إِبْلِيسُ فَعَلَهُ أَصْلُهُ الَّذِي خُلِقَهُ عَلَيْهِ، وَالمُؤْمِنُونَ خَالَفُوا أَصْلَهُمْ فَتَكُونُ مَعْصِيَتُهُمْ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ، وَلَكَانَ إِبْلِيسُ مُطِيعًا لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ أَصْلَهُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ بَقِيَ عَلَى مَا أَرَادَهُ الله، وَجَلَّ الله عَنِ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ، فَعَلَى العَاقِلِ أَنْ يَتَدَبَّرَ هَذَا وَنَسْأَلُهُ: هَلْ مِنَ العَدْلِ أَنْ يَخْلُقَ إِبْلِيسًا مِنَ الظُّلْمَةِ ابْتِدَاءً وَهِيَ لَا تَقْبَلُ النُّورَ وَلَا تُؤْمِنُ بِهِ وَلَا مَنْ خُلِقَ مِنْهَا ثُمَّ يَأْمُرُهُ الله بِالإِيمَانِ فَلَنْ يُؤْمِنَ ثُمَّ يُعَاقِبُهُ عَلَى كُفْرِهِ؟! يَا وَيْحَ نَفْسِي أَنَّى لِمُدَّعِي الدِّينِ القَوْلُ بِمَقْلُوبَاتِ الحَقَائِقِ؟




