وَفِي المُقَابِلِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الله خَلَقَ أَهْلَ الإِيمَانِ ابْتِدَاءً مِنْ طِينَةٍ عَذْبَةٍ طَيِّبَةٍ صَالِحَةٍ لِقَبُولِ الحَقِّ.
ثُمَّ أَنَّ الله سُبْحَانَهُ جَمَعَ مَا خَلَقَ مِنَ الطِّينَتَيْنِ فِي صَعِيدٍ وَوَاقِتٍ وَاحِدٍ وَدَعَاهُمْ جَمِيعًا لِلإِقْرَارِ بِهِ وَوَعَدَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ بِأَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ عَدْلُهُ بِالثَّوَابِ وَالعِقَابِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
وَمِنْ مِثْلِ هَذِهِ الأَفْكَارِ مَوْجُودَةٌ فِي عُقُولِ بَعْضِ اتِّبَاعِ مَذْهَبِنَا كَفَهْمِهِمْ القَوْلِ الوَارِدِ أَنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنْ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ، فَهَذَا خَاطِئٌ.
وَكَذَلِكَ فَهْمُهُمُ الخَاطِئُ لِلْقَوْلِ: أَنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ الظُّلْمَةِ وَالشَّكِّ وَالحَيْرَةِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا كَانَ ابْتِدَاءً.
وَمَا يَحِزُّ فِي النَّفْسِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ المُتَدَيِّنِينَ عَافَاهُمُ الله يَأْخُذُونَ هَذِهِ الأَقْوَالَ عَلَى ظَاهِرِهَا، مِنْ دُونِ التَّحْقِيقِ عَنْ وَجْهِ العَدْلِ فِيهَا، وَعَمَّا تَؤُولُ مَقَاصِدُهَا، وَلِأَنَّ سَأَلْتَ أَحَدَهُمْ عَنْ عَدْلِ الله فَسَيَقُولُ عَلَى الفَوْرِ: إِنَّ الله عَادِلٌ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.
إِنَّهَا كَلِمَةٌ يَقُولُهَا المُؤَالِفُ وَالمُخَالِفُ، وَلَكِنْ إِنْ بَحَثْتَ عَمَّا تَكُنُّهُ النُّفُوسُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْمَعَ إِلَّا الأَقْوَالَ المَظْنُونَةَ، وَالكَثِيرُ مِنْهَا مُخَالِفٌ لِلحَقِّ فِي مَعْنَى العَدْلِ، وَفِي جُلِّهَا اتِّهَامٌ الِلهِ بِالظُّلْمِ بَيْنَ الخَلْقِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَأَنَّى لِهَؤُلَاءِ العُذْرُ مِنِ اعْتِقَادِ هَذِهِ الأَبَاطِيلِ وَالأَوْهَامِ الغَبِيَّةِ؟!




