وَلَكِن مَا يَفْهَمُهُ النَّافُونَ لِلصُّورَةِ وَيَظُنُّونَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ تَمْثِيلًا لِفَهْمِهِمْ: كَأَنَّ الْعَيْنَ الرَّائِيَةَ قَلَمًا يَكْتُبُ عَلَىٰ قِرْطَاسِ النَّفْسِ مَا تَرَاهُ ثُمَّ يَأْتِي دَوْرُ الْقَلْبِ الَّذِي هو العَقْلُ فَيَمْحُو مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ النَّاظِرَةُ فَيَمْحُو الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الذَّاتِيَّةَ الْأَنْزَعِيَّةَ الْقَدِيمَةَ، فَسُبْحَانَ الله وَتَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُ الْمُفْتَرُونَ، وَنَضْرِبُ مَثَلًا لِنُفْهِمَهُمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَعْنِي مَا يَظُنُّونَهُ، فَإِنَّ الْقَلْبَ لَا يَمْحُو كُلَّ مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ النَّاظِرَةُ وَإِنَّمَا يَمْحُو مَا لَا يَصِحُّ كالنَّاظِرِ إِلَىٰ الْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ فَإِنَّ النَّظَرَ يَرَىٰ اِتِّصَالَهُمَا بِبَعْضِهِمَا وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ الْعَقْلِ فَيَمْحُو الْاِتِّصَالَ وَيُبْقِي عَلَىٰ وُجُودِ السَّمَاءِ وَالْبَحْرِ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ مِثْلُ رُؤْيَةِ اِتِّصَالِ الْجِبَالِ بِالسَّمَاءِ. . إِلَخْ. .
وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ الْعَيْنَ النَّاظِرَةَ تَرَى الْمَعْنَى الْقَدِيمَ وَتَرَى الْحَالَاتِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ وَالزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَالْحَرَكَةَ وَالِاهْتِضَامَ وَالدُّخُولَ فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فَتُثْبِتُ الْمَعْنَىٰ بِصُورَتِهِ الذَّاتِيَّةِ الْمَرْئِيَّةِ وَتَمْحُو جَمِيعَ هَذِهِ الْحَالَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِأَهْلِ الْعَقْلِ وَالدِّرَايَةِ.
فَانْظُرْ يَا أَخِي بِعَيْنِ الْعَقْلِ وَالْإِنْصَافِ أَلَيْسَ فَهْمُهُمْ لِهَذَا النَّصِّ وَاحْتِجَاجُهُمْ بِهِ فِي نَفْيِ الصُّورَةِ فَهْمٌ خَاطِئٌ وَهَذَيَانٌ وَهَلْوَسَةٌ؟، بَلَىٰ، إِنَّهَا كَذَٰلِكَ.




