وَقَوْلُهُ عَزَّ عِزُّهُ: وَلَا نَعْمَلُ بِهِ، أَيْ لَا نَقُولُ وَلَا نَعْتَقِدُ بِمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الثَّلَاثِ خَمَسَاتٍ أَنَّ فِيهِ أَوْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا، بَلْ نَقُولُ: هِيَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَحَاشَاهُ عَنْهَا.
وَمُؤَانَسَتُهُ لِلْبَشَرِ بِهَا هِيَ حِكْمَةٌ لِئَلَّا يَقْسِرَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ عَنْوَةً وَلِيَأْنَسوا إِلَيْهِ، وَلَوْ أَرَادَ الْإِيمَانَ بِهِ عَنْوَةً وَجَبْراً فَلا مَرَدَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾(1).
لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُكْرِهُ النَّاسَ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِيمَانِ بِهِ لِأَنَّهُ عَادِلٌ فِي حُكْمِهِ غَيْرُ أَنَّهُ أَتَاهُمْ بِاللُّطْفِ لِيَقْضِيَ أَمْراً كَانَ مَفْعُولًا، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(2).
وَجَاءَ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي شُعَيْبٍ مِنْهُ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: آمَنْتُ بِعَجْزِكَ وَمُعْجِزِكَ.
فَقَوْلُهُ: آمَنْتُ بِعَجْزِكَ لَا يَعْنِي أَنَّ الْمَعْنَىٰ سُبْحَانَهُ عَاجِزٌ أَوْ لَكِنَّهُ كَمَا أَسْلَفْنَا أَنَّ الْعَجْزَ هُوَ إِظْهَارُهُ وَهُوَمِنَ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ وَعَلَامَةُ الِامْتِحَانِ وَهَذِهِ الْإِظْهَارَاتُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ لِلْخَلْقِ أَنَّ الله الْمَعْنَى الْقَدِيمَ الْقَادِرَ قَادِرٌ عَلَىٰ إِظْهَارِ الْعَجْزِ كَمَا يُظْهِرُ الْمُعْجِزَ،




