وَمِنْهَا ظُهُورُهُ لِلْبَشَرِ كَالْبَشَرِ أَيْ عَلَىٰ مِثَالِهِمْ، وَمِثَالُهُمْ لَيْسَ هو الصُّورَةُ الْأَنْزَعِيَّةُ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِمِثَالِهِمْ هُوَ إِظْهَارَاتُ الصُّورَةِ كَمَا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ الثَّلَاثُ خَمَسَاتٍ وَهِيَ لِلْمُؤَانَسَةِ كَمَا بَيَّنَهَا السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ الله نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ وَهَذَا فِي الِامْتِحَانِ فَقَطْ، فَالتَّرَفُّقُ وَاللُّطْفُ بِالْبَشَرِ هُوَ لِمُؤَانَسَتِهِمْ، وَهَذِهِ هِيَ حَاجَتُهُمْ. فَإِذَا أَظْهَرَ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ كَانَتِ الدَّلَالَةُ مِنْهُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ الرَّبُّ الْقَادِرُ وَالْإِلَهُ الْقَاهِرُ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَدَبَّرَ أَنَّ مَنْ يَقُومُ بِهَذَا الْمُعْجِزِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقِ الْعَاجِزِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْهُ، لِأَنَّ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ لَا يَمُوتُ، وَمَنْ يَرُدُّ الشَّمْسَ قَادِرٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ.
وَمِنْ مِثْلِ هَذَا يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ مِنْ أَنَّ رُؤْيَتَهُ فِيمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الثَّلَاثِ خَمَسَاتٍ هِيَ غَيْرُ صُورَتِهِ الْمَرْئِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ وَهِيَ غَيْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ الْمُمَاثِلَةِ لِلْبَشَرِ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الْأَنْزَعِيَّةَ أَنَّهَا الذَّاتُ الْعَلِيَّةُ، وَلَيْسَ لِنَفْيِهَا كَمَا يَدَّعِي نَافِخِي أَبْوَاقِ التَّعْطِيلِ.
فَظُهُورُهُ سُبْحَانَهُ لِلْبَشَرِ فِيهِ الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(1).




