فَانْظُرْ أَيُّهَا الْأَخُ الْمُؤْمِنُ كَيْفَ وَصَفَ الله سُبْحَانَهُ هَؤُلَاءِ الْبَهَائِمَ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً هو الله، وَلَكِنَّهُمْ يَعْنُونَ بِهِ الْغَيْبَ الَّذِي لَا يُرَى، بَيْنَمَا الَّذِي نَزَّلَ الْمَاءَ هو الله أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ الْمُعَايَنَةُ، وَلِأَنَّهُمْ ادَّعَوا الْأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ وَقَدْ رَأَوْا فِعْلَهُ وَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ إِنْزَالُ الْغَيْثِ لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُ الله لِأَنَّهُ بَيَّنَ هَذَا فِي الْأَمَارَاتِ الْخَمْسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾(1)، فَلِأَنَّهُمْ عَنَوْا بِقَوْلِهِمُ الله أَنَّهُ المُتَوَهَّمُ الَّذِي لَا يُرَى فَجَهَّلَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ الْعَالِمِ عَزَّ عِزُّهُ: أَثْبِتْ مَا تَعْلَمُ مِنَ الْمَعَاجِزِ وَالْقُدْرَةِ وَانْفِ مَا تَرَى مِنَ التَّخَاطِيطِ وَالصُّوَرِ.
أَقُولُ: إِنَّهُمْ يَجْتَزِئُونَ النَّصَّ وَلَا يَذْكُرُونَهُ كَمَا قَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ وَالنَّصُّ الْكَامِلُ هُوَ كَمَا وَرَدَ فِي التَّجْرِيدِ: «وَقَدْ سَأَلَ جَابِرُ الْجُعْفِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَوْلَانَا الْبَاقِرَ عَزَّ عِزُّهُ فَقَالَ لَهُ عَزَّ عِزُّهُ: انْفِ مَا تَرَى وَأَثْبِتْ مَا تَعْلَمُ، فَقَالَ جَابِرُ: يَا مَوْلَايَ، إِذَا كُنْتُ أَنْفِي مَا أَرَاهُ بِعَيْنِي فَمَا أَعْلَمُ بِقَلْبِي أَجْهَلُ؟ فَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: انْفِ مَا تَرَاهُ مِنَ الصُّورَةِ وَأَثْبِتْ مَا تَعْلَمُ مِنَ الْقُدْرَةِ، قُدْرَةِ مَوْلَاكَ الْأَنْزَعِ الْبَطِينِ.




