وَنَعُودُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، فَهِيَ كَمَا قَدَّمْنَا وَاقِعَةٌ فِي الاِسْم الْمُعَظَّمِ وَأَهْلِ الْمَرَاتِبِ بِمَعْنَى مَا شَرَحْنَاهُ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِالله هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾(1).
فَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَبَاكُمْ﴾، أَيِ اصْطَفَاكُمْ وَاخْتَارَكُمْ لِتَكُونُوا الدُّعَاةَ إِلَيْهِ فَالشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ هُمْ أَهْلُ الْمَرَاتِبِ وَالشَّهِيدُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ هُوَ رَسُولُ الله لِأَنَّهُمْ بَلَغُوا وَدَعَوا النَّاسَ إِلَى مَوْلَاهُمْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَاهَدُوا فِي بَيَانِ الْحَقِّ حَقَّ الْجِهَادِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَشَفَ لِلنَّاسِ السِّتْرَ الْعَظِيمَ كَسَيِّدِنَا عَبْدِ الله بْنِ سَبَأٍ وَأَوْصِيَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ لَا تَكُونُ شَهَادَتِهِمْ عَلَى النَّاسِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنُوا لَهُمُ الْحَقَائِقَ، مِنْ أَنَّ قَمَرَ بَنِي هَاشِمٍ عَلِيَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الظَّاهِرَ بِصُورَتِهِ الْأَنْزَعِيَّةِ هُوَ ذَاتُهُ الْقَمَرُ الزَّاهِرُ الظَّاهِرُ فِي الْآفَاقِ لِلنَّوَاظِرِ بِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالظِّلِّ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ وَبَيَّنَ الْإِمَامُ الصَّادِقُ كَمَا فِي الْمُفَضَّلِيَّةِ عَزَّ عِزُّهُ:
«فَالصُّورَةُ الْأَنْزَعِيَّةُ هِيَ ذَاتُ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالظِّلِّ، وَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي لَمْ تَتَغَيَّرْ وَلَمْ تَضْمَحِلَّ فِي قَدِيمِ الدُّهُورِ وَلَا فِيمَا يَحْدُثُ مِنَ الْأَزْمَانِ، فَظَاهِرُهُ الصُّورَةُ الْأَنْزَعِيَّةُ وَبَاطِنُهُ الْمَعْنَوِيَّةُ اللَّاهُوتِيَّةُ، فَتِلْكَ الصُّورَةُ هَيُولَى الْهَيُولَاتِ وَفَاعِلَةُ الْمَفْعُولَاتِ وَأُسُّ الْمُحَرِّكَاتِ وَعِلَّةُ كُلِّ عِلَّةٍ لَا يَعْلَمُ مَا هِيَ إِلَّا هِيَ».




