فَإِذَا مَا تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْمَعَانِي لِ قَدَّرَ لَوَجَدْنَا فِيهَا مَا قَدَّمْنَاهُ سَابِقاً مِنْ أَنَّ سُبْحَانَهُ قَضَى عَلَى أَهْلِ الْمِزَاجِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ فِي رُؤْيَتِهِمْ لَهُ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ وَالذُّنُوبِ وَعِلَّةِ الِاخْتِبَارِ، وَمَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَرْضِ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ هُوَ لِمَصْلَحَتِهِمْ وَلِتَسْوِيَةِ أُمُورِهِمْ وَتَدْبِيرِهَا، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَكَّنَ لَهُمْ فِي ظُهُورِهِ وَمَا أَشْرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مَا يَجْعَلُهُمْ قَادِرِينَ عَلَى فَهْمِ الْحَقَائِقِ وَمَعْرِفَتِهِ وَالْإِذْعَانِ لَهُ وَالْإِقْرَارِ بِهِ.
هَذَا وَقَدْ بَيَّنَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْهَفْتِ وَالْأَظِلَّةِ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ فِي الْمَظْهَرَيْنِ، النُّورِيِّ وَالْبَشَرِيِّ أَنَّهَا صُورَةٌ وَاحِدَةٌ حَيْثُ قَالَ: مِثْلُ الْقَمَرِ مِثْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ عِنْدَ الْجَاهِلِينَ وَعِنْدَ الْعَارِفِينَ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ فِي كِتَابِ الْأُسُوسِ: إِذَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ فَهُوَ هُوَ. . انتهى.
وَهَذَا الْقَوْلُ قَاعِدَةٌ تَوْحِيدِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَإِذَا رَبَطْنَا هَذَا الْقَوْلَ مَعَ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَذْكُورِ أَعْلَاهُ فِي الْهَفْتِ وَالْأَظِلَّةِ، نَعْلَمُ أَنَّهُ عَزَّ عِزُّهُ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ هِيَ هَذِهِ الصُّورَةَ، وَأَنَّ الْعِلَّةَ فِي النَّاظِرِ لَا فِي الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ عَزَّ عِزُّهُ أَيْضاً: وَأَمَّا الْهِلَالُ فَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَإِنَّ الشَّكَّ فِيكَ لَا فِيهِ، وَأَنَّ الْعِلَّةَ فِي النَّاظِرِ لَا فِي الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، هَذَا وَقَدْ بَيَّنَّا مَا صَرَّحَتِ الْآيَةُ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾(1).




