وَلَمَّا كَانَ الْاِبْتِدَاءُ وَاحِداً، مَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ يَرَوْنَهُ بِذَاتِ الصِّفَاتِ الْأَنْزَعِيَّةِ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ شَخْصٍ وَآخَرَ بِمُشَاهَدَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ فِيمَا تَقَدَّمَ هَذَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ رَأَوْهُ بِأَنْزَعَ بَطِينٍ وَهِيَ ذَاتُ الْمَعْنَىٰ، وَهَذَا كَائِنٌ لَدَىٰ كُلِّ الْمَرَاتِبِ وَلَيْسَ فَقَطْ لِعَالَمِ الْبَشَرِ، فَالْكُلُّ عِنْدَ نَشْأَتِهِ الْأُولَىٰ رَآهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَنْزَعِيَّةِ كَمَا ذَكَرَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ وَفِي الِامْتِحَانِ وَالِاخْتِبَارِ لِلْمَخْلُوقِينَ يُرِيهِمْ ذَاتَهُ بِمَا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَىٰ بِمُتَغَيِّرَاتِ الصِّفَاتِ فِي عِيُونِ الْخَاضِعِينَ لِلِامْتِحَانِ لِيَصِحَّ الْإِيمَانُ بِهِ عَنْ سَابِقِ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَبَعْدَ إِخْلَاصِ الْإِيمَانِ لِلْمُؤْمِنِ يُشَاهِدُهُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الْأَنْزَعِيَّةِ وَصِفَاتِهَا الَّتِي لَمْ تَزِلْ عَنْ ذَلِكَ الْكَيَانِ وَلَا اخْتِلَافَ فِي رُؤْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّفَاوُتِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ.
أَمَّا التَّفَاضُلُ فِي رُؤْيَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْإِيمَانِ هُوَ بِدَرَجَاتِ الْعِلْمِ لَا عَلَىٰ مَعْنًى كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمُهُ وَمَعْرِفَتُهُ ازْدَادَتْ رُؤْيَتُهُ الْبَصَرِيَّةُ وَرَأَىٰ غَيْرَ هَذِهِ الصُّورَةِ، بَلِ ازْدَادَ رِفْعَةً فِي الدَّرَجَةِ وَالْقُرْبِ وَهِيَ بِالْعِلْمِ وَالْمَرْئِيُّ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(1)،




